السؤال/الدعوى: "هل صلاة التهجد (قيام الليل) فريضة؟"
قيام الليل (التهجد) عبادةٌ ذُكرت ومُدحت وحُثّ عليها مرارًا في القرآن. لكنّ سؤال "هل هي فريضة على الجميع؟" كثيرًا ما يخلط بين ما يقطع به النص وبين ما تنتهي إليه طبقات التأويل اللاحقة. في هذا المقال ننظر أولًا في لفظ الآيات، ثم نفصل القراءات المختلفة باسمها.
ماذا يقول القرآن؟
الآية المحورية تأمر بقيام الليل موجَّهةً إلى النبي مباشرةً، وتصفه بأنه "زيادة/خاصّ لك":
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (الإسراء 17:79)
ويُمدَح قيام الليل بوصفه صفةً للمؤمنين:
وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا (الفرقان 25:64)
أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (الزمر 39:9)
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (الإنسان 76:26)
أمّا في مطلع سورة المزّمّل فثمّة أمرٌ محدَّد يبدو ملزِمًا:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ • قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا • نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا • أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا (المزّمّل 73:1-4)
وفي خاتمة السورة نفسها يُصرَّح بالتخفيف من هذا العبء:
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ ... عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ ... فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (المزّمّل 73:20)
الكلمة المفتاحية / النحو
تعبير نَافِلَةً لَّكَ في 17:79 هو الفيصل.
- النافلة: تعني "الزائد، الإضافي، ما يُفعل تطوّعًا"، وتوحي لغةً بعبادةٍ تُضاف فوق الفريضة.
- لك: توجّه الأمر إلى النبي خاصّةً، وتضع العبادة في موضعٍ مخصوص به.
(تأويل:) اجتماع هاتين الكلمتين يضع قيام الليل في فئةٍ متمايزة عن الصلوات الخمس المفروضة — في مرتبة "الزائد/الإضافي". وبما أنّ اللفظ نفسه يقول "نافلة"، فإنّ القول بأنها "فريضة على الجميع" على مستوى النص فيه تكلّف.
القراءات المختلفة
(أ) قول الجمهور: قيام الليل نافلة للأمّة (عبادة إضافية مُرغَّب فيها ذات أجر)، أمّا للنبي فيُعدّ واجبًا — لأنه رُوي أنه لم يتركه طوال حياته. (هذا قولٌ يستند إلى أدبيات الحديث والفقه؛ والنص القرآني لا يقيم هذا التمييز بهذه الألفاظ.)
(ب) قراءة النسخ/التخفيف: في مطلع المزّمّل (73:1-4) فُرض قيام الليل أوّلًا، ثم خُفِّف العبء / تغيّر الحكم بالآية 73:20 في خاتمة السورة نفسها. وعلى هذه القراءة رُفع الإلزام الأوّل لاحقًا. (وهذا أيضًا في معظمه مبحث تفسيري وفقهي.)
(ج) القراءة القرآنية المركزية: بما أنّ لفظ 17:79 يقول أصلًا "نافلة" (زيادة)، فإنّ قيام الليل ليس فريضةً من البداية، بل عبادة في مرتبة الترغيب. وعلى هذه القراءة تكون آيات مثل 25:64 و39:9 و76:26 لغةَ مدحٍ وترغيب، لا لغةَ إلزام.
الحدّ الأمين
- ما يقطع به النص: أنّ قيام الليل عبادة مشروعة، مُرغَّب فيها، فاضلة، ويُمدَح بها المؤمنون. وفي هذا الآيات واضحة (17:79؛ 25:64؛ 39:9؛ 76:26).
- ما هو محلّ خلاف في التأويل: ما حكم "الفرض/الوجوب/النافلة"، ومن يلزمه وبأيّ درجة. وهذه التمييزات تأتي في معظمها من طبقة التفسير والحديث والفقه.
- ما ليس في النص القرآني: عدد ركعات قيام الليل ووقته الدقيق وهيئته لا تَرِد في الآيات؛ وهي تفاصيل وصفية حديثية/فقهية لا يجوز إعلاؤها فوق النص القرآني. أمّا الآية 11:114 التي تذكر الإطار العام للصلوات المفروضة فهي مسألة منفصلة:
وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ (هود 11:114)
الخلاصة: القول بأنّ "التهجد فريضة على الجميع" لا يلزم مباشرةً من النص القرآني. فاللفظ (17:79) يصف قيام الليل صراحةً بأنه "نافلة/زيادة"، والآيات تمدحه وتحثّ عليه بقوّة. أمّا تدريج "الفرض/الوجوب/النافلة" ومن يلزمه وبأيّ قدرٍ فمحلّ خلافٍ على مستوى التأويل (التفسير/الفقه). وأمتنُ ما يُقال على مستوى النص: قيام الليل عبادة قرآنية فاضلة إضافية (نافلة) مُرغَّب فيها بشدّة.
المصدر: ترجمة معاني القرآن — محمد أوقويان، kuranokuyan.com. الإحالات بصيغة (السورة:الآية). وتقديرات الحكم/الدرجة (فرض مقابل نافلة) آراء تفسيرية وفقهية، مُعلَّمة بوصفها "تأويلًا".