← الأدلة

خطر اقتطاع الآية من سياقها: قراءة القرآن كوحدة متكاملة

إنّ قراءة آية واحدة مقطوعةً عمّا قبلها وما بعدها، وعن السياق الذي نزلت فيه، وعن الرسالة الممتدة في القرآن كله، فخٌّ يقع فيه المؤمن والناقد على حدٍّ سواء. فالجملة الواحدة، إذا فُصلت عن الكل، يمكن جرّها إلى أيّ اتجاه يُراد تقريبًا. وهذا المقال ليس اتهامًا؛ بل دعوة حارّة إلى الأمانة والتدقيق مع النص، وإلى الإصغاء إلى القرآن كوحدةٍ متكاملة لا مجزّأة.

ماذا يقول القرآن؟

يذكر القرآن أنّ اتّساقه لا يتجلّى إلّا حين يُتدبَّر كاملًا:

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا (4:82)

ويبيّن النصّ أنّ من الآيات ما هو محكمٌ واضح، ومنها ما هو متشابهٌ في المعنى، ويربط الزيغَ في القصد بالقراءة الانتقائية:

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ ۗ (...) وَٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ (3:7)

كما يُذمّ تقطيع القرآن وتجزئته:

ٱلَّذِينَ جَعَلُوا۟ ٱلْقُرْءَانَ عِضِينَ (15:91)

ومعنى الآية بحسب الترجمة المعتمدة: هم الذين جزّأوا القرآن وأخذوا ببعضه وتركوا بعضه؛ وفيها تذكيرٌ بأنّ الله سيسائلهم جميعًا عمّا كانوا يعملون.

ويُسأل قومٌ سابقون عن موقف الأخذ ببعض الكتاب وترك بعضه:

أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ (2:85)

ماذا نتعلّم؟ (تأويل)

المعنى المستفاد من هذه الآيات (تأويل): إنّ القرآن يطلب من قارئه قراءةً كلّية متدبّرة. فبحسب 4:82، دعوى انتفاء التناقض لا تتّضح إلّا حين يُنظر إلى النص كاملًا مجتمعًا، لا بعزل الجمل واحدةً واحدة. و3:7 تُبرز جعلَ الآيات المحكمة أصلًا وفهمَ المتشابه على ضوئها؛ أمّا العكس — تتبّع المتشابه وإغفال المحكم — فيُربط بزيغٍ في القصد. و15:91 و2:85 تنتقدان موقف «خذ ما يوافقني واترك الباقي». وكلّ هذا تأويلٌ على مستوى الاستنباط؛ أمّا لفظ النص القطعيّ فهو الاقتباسات أعلاه.

قراءات مختلفة

ثمّة أكثر من قراءة في مدى المتشابه. ففي إحدى قراءات 3:7 يقف المعنى عند «وما يعلم تأويله إلّا الله»؛ وفي قراءة أخرى يُشرَك «والراسخون في العلم» في شيءٍ من ذلك العلم. وهذا متعلّق بموضع الوقف في تقليد التفسير الكلاسيكي، ولا نفرض هنا أيًّا منهما بوصفه الحقيقة الوحيدة؛ وكلاهما لا يُضعِف الدعوة إلى اعتماد وحدة النص.

الحدّ الأمين

القطعيّ على مستوى النص: أنّ القرآن يمدح التدبّر الكلّي (4:82)، ويذكر تمييز المحكم والمتشابه (3:7)، وينتقد التجزئة والإنكار الانتقائي (15:91؛ 2:85). والخلافيّ على مستوى التأويل: أيُّ آيةٍ تُعدّ بالضبط «متشابهة»، وحظُّ الإنسان في تأويل المتشابه، والحدودُ الدقيقة لـ«سياق» الآية. وهذه مباحث تفسيرية؛ وتقديمُ رأيٍ واحدٍ بوصفه حقيقةً قاطعة هو وقوعٌ في الانتقائية ذاتها التي نحذّر منها.

الخلاصة: إنّ فهم الآية حقّ الفهم يبدأ بالإصغاء إليها في موضعها: مع ما قبلها وما بعدها ومع رسالة القرآن العامة. وهذا ليس ردّ فعلٍ دفاعيًّا ولا اتهامًا؛ بل هو مقتضى الأمانة مع النص والرغبة الصادقة في فهمه. فأهلًا بك لتقرأ القرآن كوحدةٍ متكاملة، بصبرٍ وقلبٍ مفتوح؛ فحين يظهر كاملًا تظهر رسالته أوضح.

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة