حين نفكّر في الله، ما الذي يخطر ببالنا أولًا؟ خوفٌ، أم رحمةٌ نلوذ بها؟ بعضُنا عرَف الدِّينَ وكأنه مجرّد قائمة عقوبات تُرهِب؛ غير أنّ القرآن حين يُعرِّف بالله يُقدِّم الرحمة. هذه المقالة ليست دفاعًا، بل تذكيرٌ دافئ لكلِّ من يشعر بالتعب أو الذنب أو البُعد: إنّ بابه واسعٌ مفتوح.
ماذا يقول القرآن؟
يُفتَتَح القرآن من سطره الأول بإعلانٍ للرحمة:
بسم الله الرحمن الرحيم. (1:1)
ويتحدّث الله عن الرحمة لا كفضلٍ عابر، بل كمبدأ كتَبه على نفسه:
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. (6:54)
وسَعةُ هذه الرحمة أوسعُ من إدراكنا:
ورحمتي وسِعَت كلَّ شيء... (7:156)
وحتى أشدُّ الأحوال يأسًا يُترَك له بابٌ مفتوح:
قل: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا. إنه هو الغفور الرحيم. (39:53)
الكلمة / الجذر المفتاحي
كلمتا "الرحمن" و"الرحيم" في البسملة من الجذر العربي ر-ح-م، وهو جذرٌ قريبٌ من كلمة "الرَّحِم". هذا أمرٌ ثابتٌ على مستوى اللغة في النص. أمّا التأكيد على أنّ هذا الجذر يحمل دلالة الحنوّ والشفقة فهو قراءةٌ وتأويل؛ والذي يُظهره اللفظ نفسه أنّ هذا الجذر يُذكَر مرّةً بعد مرّة مع اسم الله (1:1).
ماذا نتعلّم؟
(ما يلي قراءةٌ مستخلَصةٌ من الآيات، أي تأويل.) بجمع هذه الآيات تتشكّل صورة: رحمةُ الله ليست حالةً عابرة، بل موقفٌ جعَله مبدأً على ذاته (6:54). وهذه الرحمة ليست انتقائيةً ولا ضيّقة، بل سَعةٌ "وسِعَت كلَّ شيء" (7:156). وقولُه حتى لأشدِّ المذنبين "لا تقنطوا" (39:53) يدلّ على أنّ الباب يبقى موارَبًا. وهذا لا يعني أنّ السوء أمرٌ هيّن؛ فالآية نفسها تذكر التوبة والإصلاح (6:54). المقصود أنّ نقطة الانطلاق ليست الخوف، بل الدعوة والرجاء.
قراءاتٌ مختلفة
لا يتحدّث القرآن عن الرحمة فقط، بل عن الحساب والعذاب أيضًا؛ فصدرُ الآية 7:156 يقول "أُصيبُ به مَن أشاء"، ثم يُلحِق بأنّ الرحمة وسِعَت كلَّ شيء. ومن هنا نشأ تأكيدان: (1) قراءةٌ تُبرِز العدل والمسؤولية؛ فالإنسان ليس مُهمَلًا، ولأعماله نتائج. (2) قراءةٌ تجعل الرحمة في المركز؛ إذ يُذكَر العذاب كأنه استثناء، بينما الرحمة هي المبدأ الشامل. والقراءتان لا تتنافيان؛ فالآية ذاتها تَضعهما جنبًا إلى جنب (7:156). أمّا المسائل المختلَف فيها كخلود النار فهي موضوع بحثٍ مستقلّ يتجاوز الحدّ النصّي لهذه المقالة.
الحدّ الأمين
الثابت على مستوى النص: أنّ القرآن يُسمّي الله مرارًا "الرحمن الرحيم" (1:1)؛ وأنّ الرحمة مبدأٌ كتَبه على نفسه (6:54)؛ وأنّ رحمته "وسِعَت كلَّ شيء" (7:156)؛ وأنّ أشدَّ المذنبين يُقال له لا تقنط (39:53). والمختلَف فيه على مستوى التأويل: كيف يتوازن التأكيد على الرحمة والعذاب، وأيُّهما يغلب في أيّ حال، وتفاصيل ما يتعلّق بالآخرة. والحفاظ على هذا التمييز يُبقينا أمناء، ويمنعنا من تخويف أحدٍ بيقينٍ في غير محلّه.
الخلاصة: إن كنتَ لم تعرف الله إلا تهديدًا، فالقرآن يدعوك إلى نظرةٍ أخرى. إنه يُعرِّف بنفسه بالرحمة في السطر الأول، ويكتب الرحمة على نفسه، ويقول حتى لأبعد الناس: "لا تقنط". إنها دعوةٌ نابعةٌ لا من الخوف بل من المحبّة والدِّفء. وإن أردتَ أن تخطو اليوم خطوة، فاعلم أنّ هذا الباب مفتوحٌ دائمًا.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.