الاستيقاظ في سكون الليل للخلوة بالرب يحتل مكانة خاصة في قلوب كثير من المؤمنين. وفي القرآن يُسمّى هذا العمل "التهجد". فمن أين جاءت هذه الكلمة، وماذا تعني؟ لننظر بهدوء.
ماذا يقول القرآن؟
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (17:79)
(بحسب ترجمة م. أوكويان التركية: تخلَّ عن النوم في جزء من الليل، نافلةً خاصة بك؛ فإن ربك سيبلغك مقامًا محمودًا.)
الكلمة المفتاحية / الجذر
تَرِد كلمة "التهجد" ومشتقاتها في النص القرآني مرة واحدة فقط، في الآية 17:79 أعلاه، في صيغة "فَتَهَجَّدْ بِهِۦ".
ملاحظة عن الجذر (على المستوى اللغوي): الكلمة من الجذر هـ-ج-د (هجد). وهو في العربية من جذور الأضداد التي تحمل معنيين متضادين معًا: فقد يعني "النوم" ويعني "ترك النوم والقيام". وصيغة "التهجد" تشير إلى المعنى الثاني: قطع النوم والقيام لعبادة الليل.
تبرز في الآية عبارتان:
- "نَافِلَةً لَّكَ": أي شيء خاص/إضافي لك.
- "مَقَامًا مَّحْمُودًا": وعدٌ بـ"مقام محمود".
ماذا نتعلّم؟
(تأويل): تقدّم الآية القيام في الليل والتوجّه إلى الرب بوصفه قيمةً ووعدًا معًا. والقرآن يثني على هذا القيام الليلي في مواضع أخرى أيضًا؛ مثلًا:
قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (73:2)
وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (76:26)
والدعوة المشتركة هنا (تأويل): أن تخصيص جزء من الليل للتوجّه إلى الله موقفٌ يقدّره القرآن.
قراءات مختلفة
هناك قراءتان رئيسيتان لكلمة "نافلة" في 17:79 (تأويل):
- قراءةٌ تجعلها واجبًا خاصًا/إضافيًا ("لك") من التهجد خاصًا بالنبي.
- وقراءةٌ تأخذ "نافلة" بمعنى العبادة التطوّعية، فتحمل معنى الترغيب.
أما ما يقرّره النص القرآني بيقين فهو: أن هناك قيامًا في الليل، وفي خاتمته وعدٌ بـ"مقام محمود". وما وراء ذلك من تفاصيل فهو في حيّز التأويل.
حدّ أمين
لا يرد في النص القرآني أي وصف عددي لـكم ركعة، وبأي ألفاظ، وفي أي وقت بالضبط يُؤدّى التهجد. وهذه التفاصيل مصدرها الحديث والفقه؛ وينبغي تناولها على نحو وصفي ("رأي مصدره الحديث/الفقه") من دون رفعها فوق النص القرآني. وما يقرّره القرآن بيقين هو الاسم نفسه (17:79) والدعوة إلى عبادة الليل.
الخلاصة: التهجد باختصار هو "قطع النوم والتوجّه إلى الرب في الليل"؛ وقد أخذ اسمه من آية واحدة، 17:79. وتفاصيل الكيفية قابلة للنقاش، لكن جوهر الدعوة واضح: القلب الذي يهب جزءًا من ليله لله مدعوٌّ إلى طريق محمود.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.