← الدعوى والدليل

هل تُجيز الآية ٦٥:٤ زواجَ الأطفال؟ — عبارة «واللائي لم يَحِضْنَ»

السؤال/الدعوى: «تُقرّر آيةُ الطلاق ٦٥:٤ عِدّةً بعد الطلاق لـ«واللائي لم يَحِضْنَ». ولمّا كانت وظيفة العِدّة إثباتَ براءة الرحم، فإنّ الآية تفترض صراحةً علاقةً جنسيةً بفتياتٍ لم يَبلُغن سنّ الحيض — أي زواجَ الأطفال. بل إنّ جمهور المفسّرين الكلاسيكيين (الطبري، القرطبي، ابن كثير) قرأوها هكذا. أفلا يُشرّع القرآن إذًا استغلالَ الأطفال؟»

السياق

  • أولًا حدُّ النصّ: القرآن لا يذكر في أيّ آيةٍ سنًّا أدنى صريحًا للزواج ولا عددًا. والأحكام الكلاسيكية مبنيّةٌ على معيار البلوغ وأعراف العصر؛ فجملة «يجوز الزواج بالطفلة» ليست في لفظ الآية بل في استنباطٍ تفسيري.
  • والآية ٦٥:٤ ليست آيةَ سنّ زواجٍ مستقلّة، بل تنظيمٌ لـعِدّة ما بعد الطلاق: ثلاثةُ أشهرٍ لِلائي يَئِسْنَ من المحيض، ومثلها لـ«اللائي لم يَحِضْنَ».
  • أمّا الجدلُ حول سنّ زواج عائشة فمسألةٌ حديثيّة/تاريخية، لا آيةٌ قرآنية؛ ولا ينبغي الخلط بينهما.

قراءتان

يدور النزاع حول سؤال «مَن هنّ «اللائي لم يَحِضْنَ»؟». ودون فرض رأيٍ واحد، نعرض القراءتين بأسمائهما:

  • جمهور الكلاسيكيين (الطبري – جامع البيان؛ القرطبي – الجامع لأحكام القرآن؛ ابن كثير): يقرأون العبارة (تأويل) بأنها «فتياتٌ صغيراتٌ لم يَبلُغن الحيض». والتعليل (تأويل): العِدّة إنما شُرِعت لإثبات براءة الرحم، ولا تكون ذاتَ معنًى إلا بافتراض الدخول؛ فتقديرُ عِدّةٍ لِمن لم تَحِض يدلّ على أنّ العلاقة بها كانت مُمكنةً في نظرهم. وتعمل هذه القراءة في الفقه الوسيط عبر التمييز بين العقد (عقد النكاح) والدخول: فالعقد يُعدّ جائزًا، بينما يُؤجَّل الدخول الفعليّ إلى البلوغ.
  • والتراث الكلاسيكي ليس أحاديَّ الصوت أيضًا: فقد نقل الطبري والقرطبي تحت الآية نفسها رأيًا بديلًا — قد تشير العبارة إلى نساءٍ بالغاتٍ انقطع حيضهنّ أو تأخّر لسببٍ ما (تأويل؛ تأكّد عبر مصادر ثانوية، ولم يُعايَن سطرُ الطبعة العربية المحقَّقة مباشرةً).
  • القراءة القرآنية‑المركز / الحديثة (خطّ محمد أوكويان / kuranokuyan.com): تردّ استنباطَ أنّ ٦٥:٤ تُجيز زواج الأطفال. (تأويل) (١) أداة «لم» تصف حالةً مستمرّة («لا تحيض الآن»)، لا انعدامَ قدرةٍ خِلقيًّا أو دائمًا؛ فالعبارة تشمل نساءً بالغاتٍ لا يَحِضْنَ لأسبابٍ طبيّة/فسيولوجية. (٢) والآية ٤:٦ تضع معيارًا مستقلًّا للأهلية للزواج: «وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رُشدًا فادفعوا إليهم أموالهم». فمن لا يستحقّ حتى المالَ إلا بالرُّشد لا يُعدّ أهلًا — بلا رُشدٍ — لمسؤوليةٍ أثقلَ كالزواج. (٣) والآية ٦٥:٤ تنظّم أصلًا عِدّة الطلاق، فمخاطَبُها بالغةٌ متزوّجةٌ فعلًا؛ والموصوفةُ بـ«النساء» بالغةٌ بالتعريف. ويجعل هذا الخطُّ الرضا في الزواج محورًا (٤:١٩: «لا يَحِلّ لكم أن تَرِثوا النساء كرهًا»)، ونفيَ الضرر، و«ميثاقًا غليظًا» (٤:٢١).

حدٌّ أمين

الاعتراض ليس بلا أساس، وله سندٌ نصّيٌّ لا يُهمَل: فالمتنُ الكلاسيكي (الطبري، القرطبي، ابن كثير) قرأ ٦٥:٤ في الغالب بأنها «فتياتٌ لم يَحِضْنَ»، وصرّح باستنباط أنّ «العِدّة لا معنى لها إلا بافتراض الدخول». فقولُ «القراءة الحديثة هي المعنى الصحيح الوحيد وقد أخطأ الكلاسيكيون» غيرُ صحيحٍ تاريخيًّا. لكنّ هذه أيضًا صحيحةٌ بالقدر نفسه: (أ) القرآن لا يُعطي سنًّا صريحًا ولا يَنطق بعدد؛ فحكمُ «زواج الطفلة» ثمرةُ استنباطٍ تفسيري (تأويل)، لا لفظُ الآية الصريح. (ب) وكونُ «لم يَحِضْنَ» يعني حتمًا «انقطاعَ الطمث لدى بالغة» لا يَلزم قطعًا من لفظ الآية؛ وهو كذلك ترجيحٌ/تأويل. (ج) وشرطُ الرُّشد/سنّ النكاح في ٤:٦ والتأكيدُ على الرضا أرضيّةٌ قرآنيّةٌ قويّة لصالح حدٍّ أدنى من النضج. (د) وجدلُ عائشة مسألةٌ حديثيّة/تاريخية لا آيةٌ قرآنية. والخلاصة: لا يحوي النصُّ أمرًا مُلزِمًا بزواج الأطفال؛ والاستنباطُ الكلاسيكي يعكس أعرافَ العصر؛ والمعيارُ المعاصر الأخلاقيّ والقانونيّ (بلوغ + رُشد + رضًا حقيقي + انتفاء الضرر) يُقصي استغلالَ الأطفال في كلّ قراءة. واستغلالُ الأطفال غيرُ مشروعٍ في أيّ قراءة.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة