إنّ نظرتك إلى قيمتك تُشكّل نظرتك إلى حياتك كلها. والقرآن يمنح الإنسان قيمةً عاليةً جدًّا، لكنه يربط هذه القيمة لا بالكبرياء الفارغ، بل بالأمانة والمسؤولية. ولعلّنا اليوم نبدأ بداية صادقة لفهم مكانتنا ولماذا نحن هنا.
ماذا يقول القرآن؟
ولقد كرّمنا بني آدم، وحملناهم في البرّ والبحر، ورزقناهم من الطيّبات، وفضّلناهم على كثير ممّن خلقنا تفضيلًا. (17:70)
وإذ قال ربّك للملائكة: إنّي جاعل في الأرض خليفة (مسؤولًا)، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟ قال: إنّي أعلم ما لا تعلمون. (2:30)
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. (95:4)
إنّا عرضنا الأمانة (المسؤولية) على السماوات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان؛ إنه كان ظلومًا جهولًا. (33:72)
الكلمة المفتاح / الجذر
ثلاث كلمات تحمل الموضوع: كرّمنا (17:70) أي “جعلناهم ذوي كرامة وشرف”؛ خليفة (2:30) أي “مسؤول / مكلَّف” في الأرض؛ الأمانة (33:72) أي “المسؤولية المُسلَّمة كعهد.” والمدى الكامل لهذه الكلمات يحتاج إلى تأويل؛ وهنا يُنقَل فقط المعنى الوارد في الآيات نفسها.
ماذا نتعلّم؟ (تأويل)
(ما يلي قراءة مستخلَصة من الآيات — محاولةٌ للفهم، لا النصّ ذاته.) حين يقول القرآن إنّ الإنسان “مُكرَّم” (17:70) و“مخلوق في أحسن تقويم” (95:4)، يبدو أنه يربط هذه الكرامة بالخلق نفسه لا بإنجاز ما. والإنسان نفسه يُذكَر “خليفةً” (2:30) و“حاملًا للأمانة” (33:72) — أي أنّ القيمة تأتي مقترنةً بالمسؤولية. ووصفُ الإنسان في (33:72) بأنه “ظلوم جهول” يمكن قراءته تذكيرًا جادًّا بثقل هذه المسؤولية وصعوبة أداء حقّها.
قراءات مختلفة
- ما معنى “خليفة”؟ قراءةٌ تفهمها بأنه “من أُوكِلت إليه المسؤولية في الأرض”؛ وأخرى تُبرز معنى “أجيال يخلف بعضها بعضًا.” والآية تعطي صراحةً إطار “المسؤول / المكلَّف”؛ وما وراء ذلك تأويل.
- ما هي “الأمانة”؟ قيل المسؤولية/الإرادة، وقيل العقل، وقيل حملُ التكليف الإلهي. وهذه آراء على مستوى التفسير؛ والآية لا تحصر الأمانة في تعريف واحد.
حدٌّ أمين
المؤكَّد على مستوى النصّ: أنّ القرآن يُكرّم الإنسان (17:70)، ويخلقه في أحسن تقويم (95:4)، ويجعله خليفةً/مسؤولًا في الأرض (2:30)، ويحمّله أمانةً (33:72). والمتنازَع فيه على مستوى التأويل: المدى الدقيق لـ“الخليفة” و“الأمانة”، وأيُّ الواجبات التفصيلية يتضمّنانه. أمّا فكرة أنّ هذه الكرامة تُقاس بالعِرق أو الجنس أو المكانة فلا ترِد في هذه الآيات؛ وإنما هي معنًى مستخلَص من إطارها العامّ.
الخلاصة: إن كنت تشعر أحيانًا بأنك بلا قيمة أو بلا غاية، فالقرآن يخاطبك بكلمة أخرى تمامًا: أنت مُكرَّم، وقد خُلِقت في أحسن صورة، ووُضِعت في يديك مسؤوليةٌ بوصفها أمانة. هذه الكرامة ليست لتنفخ فيك الكبرياء، بل لتوجّهك بحرارة نحو الأمانة التي تحملها — ونحو من أعطاكها. ولعلّ هذا مكانٌ طيّب لتبدأ منه التعرّف من جديد على نفسك وعلى ربّك.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.