← الأدلة

بمن نتزوج؟ — معايير اختيار الزوج في القرآن

الزواج من أكثر قرارات الحياة خصوصيةً وتأثيرًا. وكثيرًا ما يُطرح سؤال "بمن؟" تحت ضغط الأسرة والمحيط والعادات: النسب، المال، المكانة... فإلى أيّ شيء يشير نصّ القرآن في اختيار الزوج؟ في هذا المقال نقرأ الآيات كما هي، ونفصل الاستنتاجات بوضوح بوسمها بـ"(تأويل)". الهدف ليس إصدار فتوى، بل أن نرى معًا ما يقوله النص وأين يبدأ التأويل.

ماذا يقول القرآن؟

يصف القرآن الهدف الأساس للعلاقة بين الزوجين بأنه السكون والمودّة:

وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم ٣٠:٢١) الترجمة: من دلائله أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودّةً ورحمة. إنّ في ذلك لَدروسًا لقومٍ يتفكّرون.

وأوضح معيار في مسألة الشراكة في الإيمان هو هذه الآية:

وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَـٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (البقرة ٢:٢٢١) الترجمة: لا تتزوجوا المشركات حتى يؤمنّ! وأَمَةٌ مؤمنة خيرٌ من مشركة ولو أعجبتكم. ولا تزوّجوا المشركين (بناتِكم) حتى يؤمنوا! ولعبدٌ مؤمن خيرٌ من مشركٍ ولو أعجبكم. أولئك (المشركون) يدعون إلى النار، والله يدعو بإذنه إلى الجنة والمغفرة. ويبيّن آياته للناس لعلهم يتذكّرون.

وتظهر أولوية رابطة الإيمان في هذه الآية أيضًا في سياق الهجرة:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَٰتٍ فَٱمْتَحِنُوهُنَّ ۖ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ... ذَٰلِكُمْ حُكْمُ ٱللَّهِ (الممتحنة ٦٠:١٠) الترجمة: يا أيها الذين آمنوا! إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهنّ (اسألوهنّ)! ... فإن علمتموهنّ مؤمناتٍ فلا ترجعوهنّ إلى الكفّار! فهنّ لسن حلًّا لهم ولا هم يحلّون لهنّ. ... هذا حكم الله.

أما معيار الخُلُق والعفّة فهذه الآية:

ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ ۖ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (النور ٢٤:٢٦) الترجمة: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، والطيّبات للطيّبين والطيّبون للطيّبات. هؤلاء (الطيّبون) مبرّؤون مما يقول (المفترون). لهم مغفرة ورزق كريم.

وأما الزواج من نساء أهل الكتاب فإذنٌ صريح موجّه للرجال في هذه الآية:

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ... وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ ... (المائدة ٥:٥) الترجمة: اليوم أُحلّت لكم الطيّبات. ... والعفيفات من المؤمنات والعفيفات من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم، إذا آتيتموهنّ مهورهنّ، عفيفين غير زانين ولا متّخذي أخدان، حلالٌ لكم.

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) عند قراءة هذه الآيات معًا، يبدو أنّ المعيار البارز ليس المال أو النسب أو المكانة، بل الشراكة في الإيمان والقيم، والعفّة، والخُلُق. وقول الآية ٢:٢٢١ إنّ "أَمَةً مؤمنة خيرٌ من مشركة" يقلب عمدًا سلّم المكانة الاجتماعية في ذلك العصر: فالمعيار ليس الثروة أو الشرف، بل الإيمان والقيمة.

(تأويل) إنّ تأكيد الآية ٣٠:٢١ على "المودّة والرحمة" و"السكون/الطمأنينة" يشير إلى أنّ التوافق وقُرب القلوب هدفٌ ينبغي مراعاته أيضًا في اختيار الزوج.

(تأويل) إنّ نسق الآية ٢٤:٢٦ "الطيّبون للطيّبات" يُبرز التوافق في الأخلاق والعفّة معيارًا للكفاءة.

الكلمة المفتاح / الجذر

  • مُحْصَن / مُحْصَنات (في ٥:٥): بمعنى "العفيف، المصون". فالصفة المُبرَزة في الزوج المرتقب ليست الثروة بل العفّة.
  • مودّة ورحمة (٣٠:٢١): المحبّة والرحمة؛ نسيج العلاقة الذي يُعدّ آيةً إلهية.
  • مشرك (٢:٢٢١): من يجعل لله شريكًا؛ والمنع قائمٌ على غياب الشراكة في الإيمان/القيمة، لا على تمييز عرقي أو طبقي (تأويل).

قراءات مختلفة

قُرئ الزواج من امرأة كتابيّة (٥:٥) قراءات مختلفة عبر التاريخ. ودون فرض رأيٍ واحد، نذكر أبرزها بأسمائها:

  • رأي جمهور القدماء: استنادًا إلى صريح لفظ ٥:٥، يجيز للرجل المؤمن أن يتزوّج امرأة عفيفة (محصنة) من أهل الكتاب؛ مع التأكيد على شرط العفّة.
  • آراء مُقيِّدة / كارهة: يضيّق بعض العلماء هذا في ضوء التحذير العام في ٢:٢٢١، فيرونه مكروهًا أو يحذّرون منه لأسبابٍ كالفتنة أو دين الأولاد.
  • جانب المرأة: زواج المرأة المؤمنة من رجل كتابيّ مسألة منفصلة، وليس فيها حكم صريح مباشر في نصّ القرآن (حدّ أمين). والفقه الكلاسيكي في الغالب لا يُجيزه؛ غير أنّ مستند هذا الحكم ليس آيةً مباشرة، بل هو غالبًا طبقة تأويل وفقه (تأويل).

أما تعدّد الزوجات فموضوع مختلف تمامًا؛ نتناوله في مقال منفصل (انظر مقال "تعدّد الزوجات").

الحدّ الأمين

  • القطعيّ في النص: أن تكون الأولوية في اختيار الزوج للشراكة في الإيمان/القيم وللعفّة؛ ومنع الزواج من المشرك (حتى يؤمن) (٢:٢٢١)؛ وجواز زواج الرجل من امرأة كتابيّة عفيفة (٥:٥).
  • المتنازَع فيه تأويلًا: حدود الزواج من أهل الكتاب، وهل يُكره أم لا، وحكم زواج المرأة من رجل كتابيّ — وهذه في معظمها طبقة فقه/تأويل، وليس في نصّ القرآن حكمٌ صريح واحد.
  • ليس في نصّ القرآن بل مصدره الفقه/العُرف: تحت عنوان "الكفاءة"، فإنّ معايير كالتساوي في النسب أو الثروة أو المهنة هي في الغالب طبقة فقهية/عُرفية؛ أمّا التأكيد في نصّ القرآن فعلى الإيمان والعفّة والخُلُق (تأويل).

الخلاصة: يبني نصّ القرآن اختيار الزوج لا على المال أو النسب أو المكانة، بل على الشراكة في الإيمان/القيم والعفّة والسكون والرحمة المتبادَلين (تأويل). والتمييز بين المعايير الصريحة والحدود المتنازَع فيها تأويلًا ضروريٌّ للوفاء بالنص ولاحترام مختلف الآراء معًا. والقرار يبقى لضمير من يعرف هذه المعايير ومسؤوليته.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة