كثيرًا ما نتأرجح بين طرفين: تارةً نغرق في اليأس قائلين "لن يُغفَر ذنبي"، وتارةً نتساهل قائلين "سيغفر الله على كل حال". والقرآن يحفظ القلب من كلا الطرفين؛ إذ يصوّر الإيمان السليم حالةً قلبية يتوازن فيها الرجاء والخوف. إنه توازن دافئ يدعونا إلى الفهم وإلى الإقبال الصادق على الله.
ماذا يقول القرآن؟
قل: (يقول الله:) يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم. (39:53)
ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. (7:156)
نبّئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم. (15:49-50)
أمَّن هو قانتٌ آناء الليل ساجدًا وقائمًا، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه (كمن ليس كذلك)! (39:9)
ماذا نتعلّم؟
(ما يلي قراءة/تأويل مستخلص من الآيات.) حين توضع هذه الآيات جنبًا إلى جنب تظهر صورتان معًا. فمن جهة، تُبقي الآية (39:53) باب الرجاء مفتوحًا على آخره: حتى أكثرُ الناس ذنبًا يُدعى ألا ييأس من الرحمة، وتقول الآية (7:156) إن هذه الرحمة "وسعت كل شيء". ومن جهة أخرى، تجمع الآيتان (15:49-50) بين وصف "الغفور الرحيم" ووصف "العذاب الأليم"؛ فالرحمة لا تُلغي المسؤولية. أما الآية (39:9) فترسم صورة العبد المثالي: من يحذر الآخرة (الخوف) ويرجو رحمة ربه (الرجاء) في آنٍ معًا. فالنص يقترح قلبًا يحمل الأمرين معًا، لا خوفًا وحده ولا رجاءً وحده.
الكلمة المفتاحية / الجذر
بالمصطلح التراثي يُسمّى هذا التوازن "الرجاء" و"الخوف". ملاحظة: لفظا "الرجاء" و"الخوف" كاسمين اصطلاحيين هما من لغة العلم اللاحقة؛ أما في نصوص الآيات فيُعبَّر عن هذا التوازن بعبارات مثل "لا تقنطوا من رحمة الله" (39:53) و"يحذر الآخرة" (39:9). وعدمُ الخلط بين الاسم الاصطلاحي ونص الآية من مقتضيات القراءة الأمينة.
قراءات مختلفة
ذُكرت تأكيدات مختلفة حول "كيفية" تحقيق هذا التوازن (وهي على مستوى التأويل):
- في قراءةٍ، يُحفَظ الجناحان دائمًا متساويَي الوزن؛ فلا يقود الرجاءُ إلى التهاون، ولا الخوفُ إلى اليأس.
- وفي قراءةٍ أخرى، قد تتغيّر الجرعة بحسب حال الإنسان: فيُذكَّر المتساهلُ بجانب الخوف، ويُذكَّر اليائسُ بجانب الرحمة؛ والآية (39:53) تخاطب من فقد الرجاء على نحو خاص. وكلتا القراءتين تستندان إلى الأرضية النصية نفسها؛ ولا حاجة إلى فرض إحداهما بوصفها "الحقيقة الوحيدة".
الحدّ الأمين
المؤكَّد على مستوى النص: تحريمُ اليأس من رحمة الله (39:53)، وسعةُ الرحمة (7:156)، واقترانُ المغفرة بالمسؤولية في آنٍ (15:49-50)، وكونُ العبد المثالي مَن يحذر ويرجو معًا (39:9). والمتنازَع فيه على مستوى التأويل: كيفية معايرة هذا التوازن بحسب الشخص/الحال، والمضمون الاصطلاحي للفظ "الرجاء والخوف". الأول قول الآية، والثاني قراءة بشرية.
الخلاصة: القرآن لا يتركنا للامبالاةٍ مغرورة بالنفس، ولا لانطواءٍ يائس. مثل طائر يطير بجناحين: جناحٌ هو الرجاء في الرحمة، والآخر حذرٌ مهذّب نابع من المسؤولية. وأيًّا كان الطرف الذي تجد نفسك فيه، فإن الآية (39:53) ما زالت تُريك بابًا مفتوحًا؛ وأنت مدعوٌّ إلى الدخول منه بقلبٍ مطمئنٍّ مفعمٍ بالرجاء.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.