← الأدلة

لماذا نصوم؟ التقوى والقُرب من الله

في كل عام حين يأتي رمضان، يُمسك ملايين الناس عن الطعام والشراب في اللحظة نفسها. لكن لماذا؟ أهو الصوم مجرّد جوعٍ، أم أنّ وراءه نيّةً أعمق؟ يُجيب القرآن عن هذا السؤال في آياتٍ قليلة، كاشفًا عن غايته وروحه معًا. فلنُصغِ إلى "لماذا" الصوم من النصّ ذاته.

ماذا يقول القرآن؟

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2:183)

شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ (...) يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ (...) وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (2:185)

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (2:186)

وبحسب ترجمة المعنى (أوكويان): فُرض عليكم الصيام كما فُرض على من قبلكم لعلّكم تتّقون (تكونون أهلَ حساسيةٍ وشعورٍ) (2:183)؛ ورمضان شهرٌ أُنزل فيه القرآن هدًى، يريد الله بكم اليُسر لا العُسر، ولتُكبّروه على هدايته وتشكروا (2:185)؛ وإنّه قريبٌ يُجيب دعوة الداعي إذا دعاه (2:186).

الكلمة المفتاح: "الصِّيام" و"التقوى"

كلمة الصوم في الآية هي الصِّيام؛ ومعناها اللغوي الإمساك عن الشيء والكفّ عنه (ملاحظة لغوية). أمّا الغاية التي تذكرها الآية فهي التقوى، وتترجمها ترجمة أوكويان بـ"الحساسية/اليقظة" (2:183). فحتى في جذره النحويّ، ليس الصومُ مجرّد "ترْكٍ" بل إمساكٌ واعٍ.

ماذا نتعلّم؟ (تأويل)

ما يلي قراءاتٌ للمعنى مستخلَصةٌ من الآيات، وليست اللفظَ الحرفيَّ للنصّ:

  • عِلّة الصوم مذكورةٌ صراحةً: الجوع ليس غايةً، بل بلوغُ التقوى/اليقظة هو المقصد الذي يكون الصوم وسيلةً له (2:183). (تأويل)
  • تربط الآية 2:185 الصومَ بشهر نزول القرآن، وبإرادة اليُسر، وبـالشكر؛ فالصوم إذن ليس عذابًا بل مناسبةُ شكرٍ وهداية. (تأويل)
  • وتأتي الآية 2:186 عقب آيات الصوم مباشرةً قائلةً "فإنّي قريب". ويرى كثيرٌ من القرّاء أنّ ورودَ التشديد على القُرب في قلب سياق الصوم يُشعِر بأنّ جوهر الصوم هو القُرب من الله والدعاء. (تأويل)

حدٌّ أمين

المؤكّد على مستوى النصّ: أنّ الصوم فُرض، وأنّ عِلّته التقوى، وأنّ الله يريد اليُسر، وأنّه قريبٌ من عباده (2:183؛ 2:185؛ 2:186). أمّا التأويليّ/الاستنتاجيّ: فاستخلاص "أنّ جوهر الصوم هو القُرب" من موضع الآية 2:186 هو قراءةٌ للمعنى؛ انطباعٌ قويٌّ ينشأ من تتابع الآيات، لكنّ اللفظ نفسه لا يذكره تعريفًا. وأمّا تفاصيل أوقات الصوم وشروطه (السحور، وقت النية، ونحوها) فهي في معظمها مستمدّةٌ من الحديث والفقه؛ ولا يعطي النصّ القرآنيّ هذه التفاصيل، بل يرسم الإطار فقط (رمضان، ورخصة المريض والمسافر).

الخلاصة: الصومُ دعوةٌ تُهذّب قلوبَنا لا بطونَنا. لا يعرضه القرآن من أجل المشقّة، بل ليجعلنا أكثر يقظةً، ويدعونا إلى الشكر، ويُقرّبنا من ربٍّ يقول "فإنّي قريب". ولعلّ أجملَ ما في الصوم أنّه في كلّ لحظة جوعٍ يُذكّرنا كم أنّ مولانا قريبٌ منّا حقًّا. فما رأيك أن تجرّب هذا القُرب؟

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة