بالنسبة لكثيرٍ منا، صارت عبارة "الله واحد" كلمةً سُمعت في وقتٍ مبكرٍ حتى كادت تصبح عادةً مألوفة. غير أنها ليست مجرد عدٍّ لكم إلهًا هناك؛ بل هي عدسةٌ تُشكّل نظرتنا إلى الوجود والأخلاق والحرية. وحين يستقر التوحيد في القلب، يصير سقفًا يظلّل رؤيتنا للحياة كلها. فلنأخذ هذه العدسة معًا بهدوء.
ماذا يقول القرآن؟
قل: "هو الله أحد". (112:1)
وإلهكم إلهٌ واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. (2:163)
لو كان فيهما (في السماء والأرض) آلهةٌ إلا الله لفسدتا. فسبحان الله ربِّ العرش عمّا يصفون. (21:22)
وما خلقتُ الجنّ والإنس إلا ليعبدونِ. (51:56)
ماذا نتعلّم؟
(هذا القسم على مستوى التأويل/الاستنباط، ولا ينبغي خلطه بما يقرّره نصّ الآية يقينًا.)
ما هو واضحٌ على مستوى النص: أنّ الإله واحدٌ (112:1؛ 2:163)، وأنّ هذه الوحدانية تُذكر مقترنةً بالرحمة (2:163). أمّا 21:22 فتعرض خطًّا برهانيًّا: لو تعدّدت الآلهة لاختلّ النظام.
وممّا يمكن استنباطه من ذلك (تأويلًا): أنّ التوحيد ليس مجرد "مادةٍ من مواد العقيدة". فقول "إلهكم واحد" يعني أنّ الحياة مرتبطةٌ بمركزٍ واحدٍ وميزانٍ واحد. فالوجود صادرٌ عن إرادةٍ واحدة، والأخلاق قائمةٌ على مصدرٍ واحد، والإنسان موجودٌ ليعبد الواحد (51:56). وبهذا المعنى يكون التوحيد كالعدسة التي تجمع القيم المتناثرة تحت سقفٍ واحد.
الكلمة المفتاح / الجذر
كلمتا "أحد" (112:1) و"واحد" (2:163) تُنقلان عادةً بمعنى "الواحد/الفرد". وكلتاهما تحملان معنى الوحدانية؛ أمّا النقاش في فروق الدلالة فهو من شأن أهل اللغة وهو مسألة تأويل. والذي نستطيع قوله هنا باطمئنان: أنّ القرآن يؤكّد وحدانية الإله بلفظَي "أحد" و"واحد" معًا.
قراءات مختلفة
- التأكيد الكلامي/العَقَدي (تأويل): التوحيد أولًا هو إفراد الله في ذاته وصفاته وفي العبادة؛ وقد عالج كثيرٌ من علم الكلام الكلاسيكي الموضوع تحت هذه العناوين. وهذا تصنيفٌ/تأويل، لا لفظ الآية الحرفي.
- القراءة التحريرية (تأويل): "عبادة الله وحده" تحرّر الإنسان من كل سيّدٍ سوى الله (المال، السلطة، الخوف، رضا الناس)؛ فيكون التوحيد مبدأ تحرّر. وهذا أيضًا استنباطٌ من 51:56 و21:22، لا اللفظ المباشر.
وكلتا القراءتين لا تناقضان نصّ القرآن؛ غير أنّه لا ينبغي فرض أيٍّ منهما بوصفها "الحقيقة المطلقة الوحيدة".
الحدّ الأمين
- يقينيٌّ على مستوى النص: الإله واحد، لا إله إلا هو (112:1؛ 2:163)؛ ولو فُرض تعدّد الآلهة لاختلّ النظام (21:22)؛ والغاية من الخلق هي العبادة (51:56).
- محلّ نقاشٍ على مستوى التأويل: قراءة التوحيد بوصفه "رؤيةً تحريرية للعالم"، وفرق "أحد/واحد"، والتصنيفات الكلامية، كلها استنباطات/تأويلات. قد تكون قيّمة، لكن لا ينبغي عرضها بالثقل نفسه الذي للفظ الآية اليقيني.
الخلاصة: التوحيد، فيما وراء سؤال "كم إلهًا هناك؟"، هو جوابٌ دافئ عن سؤال "ما الذي أضعه في مركز حياتي؟". وحين نتوجّه إلى الواحد الرحيم (2:163)، يتحرّر القلب من التشتّت ويصير الميزان واحدًا. وهذه العدسة تدعوك أنت أيضًا: انظر إليها بلا عجلة، متأمّلًا. ولعلّ أبسط جملة — "هو أحد" — تفتح أوسع أفق.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.