← الدعوى والدليل

الجزية و٩:٢٩: اعتراض "الإذلال"

السؤال/الدعوى: "إنّ ٩:٢٩ تؤسّس عقيدة إذلال لغير المسلمين: فهي تأمر بقتال أهل الكتاب 'حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.' وكما يقرؤها حتى التفسير الكلاسيكي، فهذا يضع الذمّيّين في مرتبة أدنى. فقراءة 'الإذلال' إذن ليست تحريفًا، بل هي لغة النصّ نفسه."

أقوى صور هذا الاعتراض ليست هيّنة: فقد قرأه بالفعل تيّارٌ مركزيّ في التفسير على هذا النحو. ودون التهوين منه، نُسمّي القراءتين الكلاسيكية والحديثة باسميهما.

السياق

تأتي الآية في سياق حربٍ ملموس ضمن سورة التوبة (نقض العهد، أجواء اعتداء)، وتخاطب لفظًا فئةً محدّدة — طائفةً مقاتِلةً "من أهل الكتاب"؛ ولا تحمل صيغة أمرٍ مجرّد يشمل كلّ غير المسلمين (تأويل). والإطار الفقهي يعضد ذلك: فالجزية لا تُؤخذ إلا من الرجال البالغين الأحرار العقلاء القادرين على القتال؛ وفقهاء كأبي يوسف وأبي عبيد القاسم بن سلّام يُعفون العبيد والنساء والأطفال والشيوخ والمرضى والرهبان والمنعزلين والعميان والفقراء. وينقل ابن حجر العسقلاني إجماع الفقهاء على أنّ الجزية بدلٌ عن الخدمة العسكرية: فالذمّيّ لا يُطالَب بالقتال ولا بالزكاة، ويؤدّي الضريبة مقابل الحماية والإعفاء (تأويل).

القراءتان

يتعقّد الخلاف حول عبارتين: "عن يد" (حرفيًّا "عن يدٍ / باليد") و**"وهم صاغرون"** ("وهم أذلّاء/خاضعون").

القراءة الكلاسيكية (المشدِّدة على الإذلال): فسّر الطبري "صاغرون" بأن يؤدّي الذمّيّون الجزية في خضوعٍ ظاهر؛ وقرأها ابن كثير بمعنى "أذلّاء مهانون مُصغَّرون" (تأويل)؛ وتبنّى القرطبي معنى الإذلال وذكر الإجماع على أنّ الجزية تُؤخذ "من الرجال الأحرار البالغين المقاتِلين". وقد غذّى هذا التيّار تاريخيًّا الفقه الذي شرعن شروطًا تمييزيةً على الذمّيّين (اللباس، المركوب، الشهادة، قيود دور العبادة).

تيّارٌ ألين داخل التقليد الكلاسيكي: قرأ فخر الدين الرازي الآية أساسًا بوصفها ترغيبًا في الإسلام: فالجزية ترتيبٌ يُرجى معه أن يعيش غير المسلم في المجتمع المسلم فيؤمن مع الزمن (تأويل). أمّا فقهاء كالنووي وابن قدامة فقد رفضوا أساليب الجباية المُذِلّة، وقالوا إنّ الجزية تُؤخذ "برفقٍ كأنها دَين" — فالتقليد نفسه ليس أحاديّ الصوت.

القراءة الحديثة / القرآنية المركز: يرى محمد عبد الحليم أنّ قراءة "صاغرون" على أنها إذلالٌ تتعارض مع أوامر القرآن بالعدل وحسن المعاملة: فـ٦٠:٨ تأمر بالبِرّ والقسط تجاه غير المسلمين الذين لا يقاتلون؛ والعبارة عنده تعني اعتراف الطرف المحارِب بسلطة الدولة المسلمة / استسلامه لها (تأويل). ويقرأ رشيد رضا "عن يد" لا بمعنى "باليد" الحرفي بل مجازًا بمعنى "على قدر القدرة المالية" (تأويل). وفي الخطّ التركي القرآني المركز يترجمها محمد أوكويان بـ"قاتِلوهم حتى يعطوا الجزية عن يدٍ (نقدًا) وهم صاغرون"؛ وهذا الخطّ يحصر الآية في سياق حربٍ واستسلامٍ محدّد ولا يعمّمها عقيدةَ إذلالٍ دائمة (تأويل). وعلى صعيد حرية الدين يُبرَز مبدأ ٢:٢٥٦ "لا إكراه في الدين"؛ و٥:٨٢ في وصف النصارى بأنهم أقرب مودّةً للمؤمنين؛ و٢٢:٣٩-٤٠ التي — إذ تأذن للمظلومين بالقتال — تضع الصوامع والبِيَع والصلوات والمساجد معًا تحت الحماية، فتؤطّر حكم الحرب بوصفه دفاعًا ضدّ الظلم لا عداءً للدين.

حدٌّ أمين

أين يصيب الاعتراض: قراءة "الإذلال" ليست تحريفًا؛ بل هي القراءة المباشرة لمفسّرين مركزيّين كالطبري والقرطبي وابن كثير، وقد غذّت تاريخيًّا وضعًا هرميًّا للذمّيّ. فكلمة "صاغرون" موجودةٌ في النصّ؛ وعلى القراءة المساواتية الحديثة أن تُعيد تأويل هذا الإرث لا أن تتجاهله.

ما هو قطعيّ في النصّ: الآية لفظًا (أ) تخاطب فقط فئةً مقاتِلةً محدّدة "من أهل الكتاب" وأداءَ الجزية — ولا تحمل صيغةَ أمرٍ كونيٍّ يشمل كلّ غير المسلمين؛ و(ب) تتضمّن لغةَ خضوعٍ ما.

ما هو محلّ خلافٍ في التأويل: أهو "عقيدة إذلالٍ دائمة" أم "وضع استسلامٍ وضريبةٍ بعد الحرب". فقوائم الإعفاء الفقهية (النساء، الأطفال، الشيوخ، الفقراء، الرهبان) تضع الجزية بوصفها بدلًا عسكريًّا خاصًّا بالقادرين على القتال أكثر منها ضريبةَ رؤوسٍ عامّة (تأويل). ودعوى أنّ المعنى الصحيح الوحيد لـ"صاغرون" هو "الإذلال" هي نفسها اختيار تقليدٍ تأويليّ لا نصّ؛ ويشهد لذلك تفضيل النووي/ابن قدامة الجبايةَ اللّيّنة. الخلاصة الأمينة: النصّ يتضمّن الجزية ولغةَ خضوعٍ ما؛ ومعناها رهنٌ بالاختيار التفسيري، وينبغي إبقاء القراءتين مُسنَدتين.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان)؛ مع مصادر التفسير والفقه الكلاسيكية والحديثة (الطبري، ابن كثير، القرطبي، الرازي، النووي، ابن قدامة، ابن حجر، أبو يوسف، أبو عبيد؛ عبد الحليم، رشيد رضا) مُسنَدةً في المتن. يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة