السؤال/الدعوى: "يُحرّم القرآن لحم الخنزير وبعض الأطعمة دون أن يقدّم أيّ تعليل عقلي؛ فهو لا يشرح لماذا، بل يقول فقط 'حرام'. أليس هذا تحريمًا اعتباطيًا عشوائيًا للطعام؟"
السياق
يَعُدّ القرآن محرّمات الطعام في أربعة أصناف، وتتكرّر هذه القائمة بألفاظ تكاد تتطابق: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهِلّ لغير الله (2:173؛ 5:3؛ 6:145؛ 16:115). وفي الخنزير خاصةً يضيف 6:145 وصف "رجس".
ثمّة نقطة بنيوية مهمّة: آيات التحريم تأتي غالبًا مباشرةً بعد آية إباحة. ففي 2:172 يُقال "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، ثم في 173 تُذكر الاستثناءات فقط. وكذلك 16:114 يأمر بالأكل من الرزق الحلال الطيّب، و16:115 يحصره في المحرّمات الأربعة. فبنية النص ليست "كلّ شيء حرام وبعضه مباح"، بل العكس: الأصل الحِلّ، والقليل استثناء.
القراءتان
الفقه والتفسير الكلاسيكي (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن؛ تفسير ديانت على 2:173 و16:114-117؛ خطّ Sorularlaislamiyet) يؤكّد أنّ التحريم محدود ومعيّن لا اعتباطي. والقاعدة الأصولية الكبرى هي "الإباحة في الأشياء": الشيء حلال ما لم يَرِد خلافه؛ وقوله في 6:145 "لا أجد... محرّمًا... إلا" يبيّن أنّ الحرام هو الاستثناء (تأويل). وعلى هذا فأساس التحريم "تعبّدي"، أي أمر الله وابتلاء العبودية؛ وقد يكون الضرر الصحي حكمة لا العلّة الوحيدة: "لو زالت مضارّ الخنزير اليوم لبقي التحريم" (تأويل). واستثناء الضرورة قاعدة ثابتة (الضرورات تبيح المحظورات): عند خطر الهلاك، دون بغي ولا اعتداء، يَحِلّ الأكل بقدر ما يُبقي على الحياة (2:173؛ 5:3؛ 6:145؛ 16:115).
القراءة القرآنية/الأكاديمية (محمد أوكويان، kuranokuyan.com، على 2:173) تقلب دعوى "التحريم الاعتباطي غير المحدود" رأسًا على عقب. فهي تلاحظ أنّ "إنّما" في الآية تفيد الحصر والتضييق: حرّم الله "فقط" هذه الأربعة؛ فالقائمة مغلقة مضيَّقة (تأويل). وتجعل 5:87 مركزًا: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين". وعليه فخطر الاعتباط الحقيقي هو أن يُحرّم الناس ما أحلّه الله، وهذا بعينه ما ينتقده القرآن (تأويل).
حدٌّ أمين
الوجه المُحِقّ في الاعتراض: لا يقدّم القرآن في نصّه تعليلًا عقليًا/طبيًا صريحًا لتحريم الخنزير. يقول فقط "حُرّم" و"رجس" (6:145)؛ وليس فيه "ينقل مرض كذا". فبالنسبة لمن ينظر من الخارج هو أمرٌ لم تُذكر علّته؛ ونقدُ "العلّة ليست صريحة في النص" مفهوم بهذا المعنى.
لكن لا ينبغي الخلط بين معنيين. فإن كان "اعتباطي" يعني غير محدود/عشوائي فالدعوى خاطئة: القائمة محصورة صراحةً في أربعة، وثمّة استثناء الضرورة. وإن كان يعني "العلّة غير صريحة في النص" فهو صحيح جزئيًا.
القطعي في النص: التحريمات نفسها (2:173؛ 5:3؛ 6:145؛ 16:115)، ووصف "رجس" للخنزير (6:145)، ورخصة الضرورة. والمتنازَع فيه على مستوى التأويل: لماذا؟ والحجج الصحّية الشائعة في الدفاعيات — "سُمّ اللبن"، "الخنزير لا ينظّف نفسه"، والتركيز على الشعرينة — ضعيفة أو متناقضة أكاديميًا (فكثير من المضارّ يوجد في لحوم أخرى؛ و"سُمّ اللبن" لا سند علميًا له). وثمّة بديل أنثروبولوجي (خطّ مارفن هاريس) يربط التحريم بمنطق بيئي: الخنزير غير مُجدٍ ماءً وعلفًا في المناطق القاحلة (تأويل). ولا شيء من ذلك في لفظ القرآن؛ كلّها تعليلات لاحقة. وكون "رجس" يعني نجاسةً صحّية أم طقسية فهو أيضًا تأويل.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.