← الدعوى والدليل

قطع يد السارق (٥:٣٨): وحشيةٌ أم استثناءٌ ضيّق؟

السؤال/الدعوى: "يقول القرآن صراحةً في ٥:٣٨ 'والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما'. وبمعايير حقوق الإنسان الحديثة هذه عقوبةٌ شديدة لا رجعة فيها ببتر عضو، وقد طبّقها المسلمون هكذا قروناً. فمع وضوح اللفظ، أليس قولُ 'إنها في الحقيقة مجاز' محاولةً لتليين ما هو مزعج؟"

هذا الاعتراض يستحقّ أن يُؤخذ بجدّية: فاللفظ أقربُ إلى القطع المادّي، والتقليد الغالب (ابن كثير، الطبري، جمهور المذاهب الأربعة) فهمه هكذا، والبترُ الدائم عقوبةٌ ثقيلة. وفيما يلي نعرض القراءتين الكلاسيكية والحديثة بالاسم، ونفصل بين ما هو قطعيٌّ في النص وما هو مُختلَفٌ فيه في التأويل.

السياق

النص: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله" (٥:٣٨). والآية التي تليها مباشرةً تربط العقوبة بالتوبة والإصلاح: "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه" (٥:٣٩). والتفسير الكلاسيكي يقرأ الآيتين معاً ويؤكّد أنّ الغاية هي الردع والإصلاح، لا مجرّد بتر عضو (تأويل).

نقطةٌ مهمّة: يحيط القرآن هذه العقوبة بشروطٍ صارمة تجعل تطبيقها شبه مستحيل. شروط الفقه الكلاسيكي (المصدر: islamqa.info/en/answers/9935): (١) النصاب — بلوغ المال المسروق حدّاً أدنى من القيمة؛ (٢) الحِرز — أخذ المال من مكانٍ محفوظ؛ (٣) قطعية الإثبات — إقرارٌ أو شاهدان عدلان؛ (٤) انتفاء الشبهة — يسقط الحدّ بأدنى شكّ؛ (٥) انتفاء الضرورة/المجاعة. ويُروى أنّ عمر أوقف الحدّ في عام الرمادة (المصدر: seekersguidance.org)، وهو مثالٌ كلاسيكي لمبدأ 'الضرورة تُسقط الحدّ' (وهذه رواية غير متواترة، على مستوى التأويل).

القراءتان

القراءة الكلاسيكية (ابن كثير، الطبري، جمهور المذاهب الأربعة). الأمرُ في ٥:٣٨ حقيقيٌّ/مادّي: تُقطع اليد من الرسغ. ويتّفق الشافعي وأبو حنيفة ومالك على قطع العضو (المصدر: islamqa.info/en/answers/9935). ومع ذلك فحتى هذا الخطّ يضيّق العقوبة بالشروط السابقة حتى تكاد لا تُطبَّق عملياً؛ فالغاية هي الردع لا التسرّع في البتر (تأويل).

القراءة الحديثة/القرآنية (م. أوكويان، kuranokuyan.com). يلفت هذا الخطُّ إلى اتّساع دلالة فعل 'قطع'. ففي ٥:٣٨ يُستعمل الثلاثيُّ (الوزن الأول) 'فاقطعوا' (فَاقْطَعُوا)، بينما الوزن الثاني المضعّف (قطّع) يفيد قطعاً مكثّفاً مادّياً متكرّراً (تأويل). والمقارنة من ١٢:٣١: يُقال في النسوة اللواتي رأين يوسف إنّهنّ 'قطّعن أيديهنّ' (قطّعن، الوزن الثاني)، ومع ذلك لم يكن بتراً لعضوٍ بل جرحاً لأيديهنّ. فعبارة 'قطع اليد' ليست أحاديةَ المعنى داخل القرآن نفسه. ويرى أوكويان أيضاً أنّ 'اليد/الأيدي' في العربية تحمل مجاز 'القوّة والقدرة والإمكان'، فيمكن قراءة ٥:٣٨ كذلك بمعنى 'قطع قدرة السارق/إمكانه على السرقة، أي كفّ يده' (تأويل). وتتقوّى هذه القراءة بتأكيد ٥:٣٩ على التوبة والإصلاح: فالبترُ المادّي لا رجعة فيه، بينما الآية تجعل العودة والتأهيل هي الأصل (تأويل).

حدٌّ أمين

ما يصيب فيه الاعتراض: لفظ ٥:٣٨ أقربُ إلى القطع المادّي، والتقليد الغالب في التاريخ الإسلامي فهمه هكذا؛ وهذا لا يُنكَر. والقطعيُّ في النص هو ورود عبارة 'قطع الأيدي' وتقرير عقوبةٍ ثقيلة على السرقة.

لكن ينبغي أن يُقال بوضوح ما هو مُختلَفٌ فيه في التأويل أيضاً. فمن جهة، تمييزُ القراءة الحديثة بين الوزن الأول والثاني ليس قاعدةً نحوية بل ترجيحٌ تفسيري؛ فقد نصّ اللغويون الكلاسيكيون على أنّ فعل 'قطع' يُستعمل حقيقةً ومجازاً في الوزنين معاً (تأويل). ومن جهةٍ أخرى، فاعتراض أهل السنّة الكلاسيكي على ردّه كليّاً إلى المجاز قويّ (المصادر: sorularlaislamiyet.com؛ ehlisunnetmedya.com): ففي ٥:٣٣ تَرِدُ العبارة نفسها 'تقطيع الأيدي' ضمن سلسلة عقوباتٍ مادّية (القتل، الصلب، القطع من خلاف، النفي)، وحملُها على المجاز هناك تكلّف؛ فجعلُ ٥:٣٨ مجازاً محضاً يُجهد النصّ أيضاً.

طريقٌ وسطٌ أمين (تأويل): يحمل النصُّ المعنى الأقربَ إلى القطع المادّي، لكنّ القرآن يجعله استثناءً ضيّقاً جداً عبر (أ) باب التوبة في ٥:٣٩ (وإتاحة التوبة حتى في جريمة الحرابة/قطع الطريق في ٥:٣٣-٣٤)، (ب) شروط الإثبات/النصاب/الحِرز شبه المستحيلة عند الفقهاء، (ج) مبدأ سقوطه بالضرورة/المجاعة. فهو لا 'وحشيةٌ اعتباطية' ولا مجرّد استعارة، بل إطارٌ قانونيٌّ عالي الردع نادرُ التطبيق قصداً. وحدُّ الاعتراض: عرضُ العقوبة مقطوعةً عن سياقها (عتبة الإثبات، التوبة، أولوية العدل الاجتماعي) لا يعكس النص في مجموعه.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة