← الدعوى والدليل

هل يستعمل القرآن لغة مذكَّرة؟ (هل 'يا أيها الذين آمنوا' خطابٌ للرجال؟)

السؤال/الدعوى: "القرآن حين يقول 'يا أيها الذين آمنوا' يستعمل جمعَ المذكَّر؛ إذن فهو يخاطب الرجال وحدهم، والنساء من الدرجة الثانية."

ماذا يقول القرآن؟

من أشهر صِيَغ الخطاب في القرآن ما يأتي بجمع المذكَّر:

يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ۚ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (62:9)

غير أنّ القرآن نفسه، حين يقتضي الأمر، يذكر النساء والرجال صراحةً، مزدوجين واحدًا واحدًا:

إنّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ... أعدّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا (33:35)

والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ... ويقيمون الصلاة ... (9:71)

وفي المعنى ذاته يقرّر القرآن أنّ الله لا يُضيع عمل عاملٍ من المؤمنين رجلًا كان أو امرأة، وأنّهم بعضهم من بعض (المعنى، 3:195)، وأنّه لا تخيير لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمرًا (المعنى، 33:36). وهذه إحالاتٌ إلى معنى الآيتين، لا إلى نصّهما العربيّ الحرفيّ هنا.

الكلمة المفتاح / النحو

المفهوم الأساس هنا هو مبدأ التغليب (التغليب). في النحو العربي الكلاسيكي، إذا خُوطبت جماعة مختلطة (رجال + نساء) يُستعمَل جمعُ المذكَّر، وهذه الصيغة تشمل النساء أيضًا. وهذا ليس خاصًّا بالعربية، بل قاعدة نحوية شبه عالمية توجد في لغات كثيرة: حتى لو كان في الجماعة رجلٌ واحد، جاز نحويًّا أن تُعامَل الجماعة معاملة المذكَّر.

وعليه فإنّ عبارة "الذين آمنوا" شاملةٌ نحويًّا لا إقصائية. وهذا ليس تأويلًا ولا تفسيرًا، بل حقيقة لغوية مقرَّرة على مستوى النحو الكلاسيكي. فقولنا "استُعمِلت صيغة المذكَّر" لا يعني "أنّ النساء غير مخاطَبات".

قراءتان

  • القراءة النقدية: تغلب صيغة المذكَّر على معظم النصّ، كما أنّ بعض المواضع (مثل ذِكر "أزواجكم") تبدو وكأنها تجعل الرجل "المخاطَب الأصل/الأوّل". وهذا يعكس السياق الثقافي للّغة.
  • القراءة الشاملة: صيغة المذكَّر مقتضى قاعدة التغليب، لا إقصاء متعمَّد. بل إنّ آيات مثل 33:35 تبدو كأنها تجيب عن هذا الاعتراض بعينه إذ تعدّ العبادات أزواجًا: رجلًا وامرأةً؛ و3:195 لا تفرّق بين الجنسين في جزاء العمل؛ و9:71 تعلن المرأة والرجل وليَّين متساويين.

الحدّ الأمين

المقطوع به على مستوى النصّ والنحو: خطاب جمع المذكَّر يشمل النساء بمبدأ التغليب؛ وهذه حقيقة لغوية. كما أنّ القرآن يجعل المرأة موضوعًا/مخاطَبًا صريحًا مرارًا (33:35؛ 9:71؛ 3:195؛ 33:36؛ 33:73). وهاتان النقطتان غير محلِّ نزاع.

المتنازَع فيه على مستوى التأويل: هل تجعل بعض الآيات (الزواج، الميراث، منظور الخطاب) الرجلَ "المخاطَب الأصل"؟ وما مقدار ما هو عالميّ في اللغة وما هو مرتبط بالعصر؟ هذا نقاش تفسيري حديث. وإغلاقه بالقول "المنظور خالٍ تمامًا من البُعد الجندري" غلوٌّ مثل القول "أُقصِيَت المرأة من البداية".

الخلاصة: استنتاج "اللغة المذكَّرة = إقصاء المرأة" خطأٌ نحويًّا: فبمبدأ التغليب جمعُ المذكَّر شاملٌ، والقرآن يخاطب المرأة صراحةً حين يقتضي الأمر. ومن جهة أخرى فإنّ القول إنّ اللغة "محايدة جندريًّا تمامًا" غلوٌّ أيضًا؛ والطريق الأمين الوسط هو قبول الشمول النحوي للنصّ مع إبقاء نقاش المنظور مفتوحًا.

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان) + قواعد/معاجم كلاسيكية. يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة