كثيرًا ما يُتصوَّر العدل مطلبًا نطالب به الآخرين. لكنّ القرآن يضعه في موضعٍ أعمق بكثير: موقفٌ ينبغي إقامته حتى ضدّ مصلحتك، وأحبّتك، بل ضدّ غضبك. هذه المقالة ليست جدالًا؛ بل دعوة صادقة لنفهم معًا لماذا يقف العدل في صميم الإيمان.
ماذا يقول القرآن؟
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (4:135)
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ (5:8)
إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (16:90)
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ... (57:25)
الكلمة المفتاح / الجذر
تبرز عبارتان (ملاحظة لغوية): القِسط (إقامة العدل بعناية؛ في 4:135 و5:8: «قوّامين بالقسط» / «قوّامين لله بالقسط»)، والعدل (في 16:90: «العدل»). وفي 57:25 يُذكر إلى جانب العدل الميزان: فقد أُرسل الرسل بالكتاب والميزان.
ماذا نتعلّم؟
المعنى المستفاد من هذه الآيات (تأويل): العدل في القرآن مبدأ غير قابل للمساومة. ترفعه 4:135 فوق مصلحة الإنسان نفسه، وفوق أهله، وفوق التمييز بين الغني والفقير. وتشير 5:8 إلى أصعب لحظة في حفظ العدل: الغضب على شخصٍ أو جماعة؛ فتقرّر أنّ هذا الغضب لا يصلح مسوّغًا للظلم، وتمدح العدل بأنه «أقرب للتقوى». وتقرن 16:90 العدلَ بالإحسان؛ وتضعه 57:25 في صميم مقصد إرسال الأنبياء. فالعدل ليس مجرد قاعدة، بل غاية أساسية يحملها الوحي (تأويل).
حدٌّ أمين
المؤكَّد على مستوى النص: القرآن يأمر بالعدل، وينهى عن أن يجرّنا الغضب إلى الظلم، ويذكر أنّ الرسل أُرسلوا لإقامة القسط (4:135؛ 5:8؛ 16:90؛ 57:25). أما المختلَف فيه على مستوى التأويل: فالتطبيقات القانونية/المؤسسية الملموسة لهذا المبدأ (أحكام الشهادة، تفاصيل القانون الجنائي، ونحوها) تعود في معظمها إلى الفقه والاجتهاد؛ وهي استنباطات من النص لا لفظه المباشر، وتختلف بين المذاهب.
الخلاصة: يُختبر نداء القرآن إلى العدل أشدّ ما يكون حين ينقلب علينا نحن. فكتابٌ يقول «اعدلوا» رغم غضبنا ومصلحتنا وصلات قرابتنا، إنما يدعونا إلى حياة أنقى وأجدر بالثقة وأقرب إلى الله. والإصغاء إلى هذا النداء من أجمل ما نقدّمه لأنفسنا ولمن حولنا.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.