كثيرًا ما يقرّر مَن نقضي معهم أوقاتنا—دون أن نشعر—إلى أين نتجه. قد يجذبنا صديق نحو الخير، وقد يبعدنا آخر شيئًا فشيئًا. هذا المقال يتناول مسألة الصحبة لا كقائمة للحكم على الناس، بل كطريق لطيف للنظر بصدق إلى قلوبنا.
ماذا يقول القرآن؟
يصوّر القرآن ندم الصحبة السيئة بمشهد مؤثّر:
وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًا
يومَ يَعَضُّ الظالمُ على يديه (من الندم) قائلًا: «آه، ليتني اتّخذتُ مع الرسولِ سبيلًا!» — (الفرقان 25:27)
يَـٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
«آه، يا ويلتي! ليتني لم أتّخذ فلانًا خليلًا! — (الفرقان 25:28)
لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلْإِنسَـٰنِ خَذُولًا
«لقد أضلّني عن الذِّكر (القرآن) بعد إذ جاءني. وكان الشيطان (ومَن تشيطن) للإنسان خذولًا.» — (الفرقان 25:29)
وفي موضع آخر يبيّن مع مَن ينبغي أن نبقى:
وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُۥ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمْرُهُۥ فُرُطًا
ابقَ صابرًا مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ مبتغين رضاه! ولا تَصرِف عينيك عنهم طلبًا لزينة الحياة الدنيا! ولا تُطِع مَن أغفلنا قلبه عن ذكرنا، واتّبع هواه، وكان أمره إفراطًا (تجاوزًا)! — (الكهف 18:28)
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ
يا أيها الذين آمنوا! اتقوا الله (كونوا على وعيٍ تجاهه) وكونوا مع الصادقين! — (التوبة 9:119)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) حين تُقرأ هذه الآيات معًا، ترسم صورة ذات وجهين: من جهة رفقة تُبعد الإنسان عن «الذكر»، أي عن المعنى والوجهة (25:29)؛ ومن جهة أخرى السير مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ (18:28) والكون مع الصادقين (9:119).
(تأويل) يبدو أن الندم في 25:27-29 لا يشير إلى وصم الصديق بأنه «شخص سيئ» بقدر ما يشير إلى وجهة التوجّه: أكانت صحبة قطعتنا عمّا يبقى، أم صحبة قرّبتنا منه؟ وما تلفت إليه 18:28 هو الدعوة إلى ألّا نصرف أعيننا طلبًا لـ«زينة الدنيا»—أي أن نقيس القيمة بالوجهة لا بالبريق.
قراءات مختلفة
(تأويل) يفهم بعض القرّاء «فلانًا» (25:28) شخصًا بعينه، بينما يقرؤها آخرون فهمًا واسعًا بأنها كل تأثير أو بيئة تُضِلّ. وكذلك يُقرأ الأمر بـ«اصبر نفسك» معهم في 18:28 عند بعضهم صحبةً ظاهرة، وعند آخرين توجّهًا قلبيًّا. والنص يحتمل القراءتين؛ فالآية تتمحور حول اختيار الوجهة لا حول إقصاء أشخاص بأعيانهم.
حدّ أمين
ما هو قطعيّ في النص: أن الصحبة السيئة قد تُضِلّ الإنسان عن الذكر، وأن هذا قد يورث ندمًا (25:29)؛ وأن الكون مع الذاكرين ربهم ومع الصادقين أمرٌ مرغوب (18:28؛ 9:119). وما يبقى في دائرة التأويل: أيُّ شخص بعينه هو صديق «صالح» أو «سيئ»، وأيُّ سلطة للحكم على الناس ووصمهم. القرآن هنا لا يمنحنا قائمة لتصنيف الناس، بل دعوة لإعادة النظر في محور توجّهنا نحن.
الخلاصة: بيئتنا تشكّل في صمت اتجاه تدفّق قلوبنا. لا يترك لنا القرآن محكمة بل سؤالًا رفيقًا: هل يقرّبني مَن يسيرون إلى جواري ممّا له معنى، أم يبعدونني عنه؟ إن طرح هذا السؤال على قلوبنا أولًا، دون الحكم على أحد، بدايةٌ كافية.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.