← الأدلة

الطلاق والفراق العادل — كيف يكون إن صار لا مفرّ منه؟

بعض الطرق لا تلتقي إلا عند نقطة الفراق. والزواج، وإن أحيط بالعناية، قد يصير أحيانًا حملًا يصعب احتماله؛ وهذا موضوع لا يخوض فيه أحد بخفّة. هذه المقالة ليست فتوى ولا لومًا، بل نظرة هادئة إلى المعيار الذي يبرزه النص القرآني في اللحظة التي يبدو فيها الفراق لا مفرّ منه. وحيث يكون الألم، نحاول أن نلقاه باحترام.

ماذا يقول القرآن؟

يصوّر القرآن الانفصال لا بوصفه ساحة غضب أو انتقام، بل انتقالًا كريمًا:

ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌۢ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌۢ بِإِحْسَـٰنٍ

"الطلاق مرتان. (وبعد ذلك) إمّا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..." (2:229)

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟

"وإذا طلّقتم النساء وبلغن نهاية مدّتهنّ (ثلاثة قروء)، فأمسكوهنّ بإحسان أو سرّحوهنّ بإحسان! ولا تمسكوهنّ ظلمًا وإضرارًا بهنّ!..." (2:231)

وتطلب سورة الطلاق أن يجري الانفصال ضمن مسار، محسوبًا وبحضور شهود:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ

"يا أيها النبي! إذا أردتم طلاق النساء فطلّقوهنّ مراعين عدّتهنّ، وأحصوا تلك المدّة! واتّقوا الله ربّكم!..." (65:1)

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ

"فإذا بلغن مدّتهنّ فأمسكوهنّ بمعروف (في نكاحكم) أو فارقوهنّ بمعروف! وأشهدوا ذوي عدل منكم!..." (65:2)

وقبل الفراق: محاولة الإصلاح.

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ

"(ومع ذلك) إن خفتم انفصال الزوجين فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها! فإن أرادا إصلاحًا يوفّق الله بينهما..." (4:35)

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) اللافت في هذه الآيات أنّ الفراق ليس محرّمًا لكنه موضوع داخل إطار أخلاقي. تتكرّر في النص كلمتان: المعروف (اللائق المناسب الذي يقرّه الوجدان) والإحسان (الجمال والتعامل دون كسر القلوب). حين يقول القرآن "إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (2:229) فإنه يشير إلى أنّ الفراق نفسه قد يكون صورة من صور النبل.

(تأويل) واستنتاج آخر: تحريم الإضرار. فعبارة "لا تمسكوهنّ ضرارًا" (2:231) ترفض أن يتحوّل الزواج — أو الفراق — إلى أداة عقاب. ويجري المسار محسوبًا وبحضور شهود (65:1-2)؛ أي يُراد له أن يكون قرارًا ينضج خلال مدّة مرعيّة، لا قرارًا يُتّخذ في لحظة غضب.

(تأويل) والترتيب ذو دلالة: تضع الآية 4:35 الإصلاح أولًا. فيُصوَّر الفراق محطّة أخيرة بعد استنفاد كلّ السبل، لا ردّ فعل أوّليًّا.

قراءات مختلفة

(تأويل) الأحكام التفصيلية في مسائل كالعدّة والنفقة وسلطة الحَكَمين تطوّرت إلى حدّ كبير في الطبقة التأويلية من تراث الفقه؛ وفيها اختلافات بين المذاهب. النص القرآني يعطي الإطار (المعروف، الإحسان، العدل، عدم الإضرار، المدّة، الشهود)؛ أمّا تفاصيل هذا الإطار العملية فقد مُلئت بالتأويل. والحفاظ على هذا التمييز مهمّ.

حدّ أمين

ما هو قطعيّ في النص القرآني: حيث يوجد فراق فالمعيار هو المعروف والإحسان؛ والإضرار محرّم؛ ويُحاوَل الإصلاح أولًا؛ ويجري المسار بمدّة مرعيّة وبشاهد. وما يبقى تأويلًا: تفاصيل كآليّة العدّة بدقّة، ومقدار النفقة ومدّتها، وإلزاميّة الحَكَمين. وليست هذه المقالة استشارة قانونية؛ ففي فراق حقيقيّ، طلبُ الدعم القانونيّ والعاطفيّ معًا حقّ للإنسان.

الخلاصة: القرآن لا يشجّع على الطلاق ولا يحرّمه؛ فإن صار لا مفرّ منه، فإنّ ما يطلبه واضح: محاولة الإصلاح أولًا، ثم — إن لزم — فراق بعدل، دون إضرار، وبإحسان. حتى الرابطة التي تنكسر يمكن أن تحفظ نبلها وهي تنكسر.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة