المال والملك والكسب... أجزاء طبيعية من الحياة. وبينما ننشغل بها يسأل كثيرون منا في صمت: "هل ما عندي يكفي؟ هل المزيد يُسعدني؟ أم أن ما أسعى خلفه يستهلكني أنا؟" يلاقي القرآن هذا السؤال دون إصدار حكم، لكن بتنبيه واضح. وفيما يلي ننظر إلى المسألة من خلال الآيات وحدها، مع الحرص على الفصل بين ما يقوله النص يقينًا وما نستنتجه نحن منه.
ماذا يقول القرآن؟
أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ
حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ
"ألهاكم سباق التكاثر، حتى زرتم المقابر (أي حتى متّم)." (التكاثر 102:1-2)
ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌۢ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـٰمًا ۖ وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ ۚ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ
"اعلموا أن الحياة الدنيا ليست إلا لعبًا ولهوًا وزينةً وتفاخرًا بينكم وسباقًا في كثرة الأموال والأولاد؛ مثلها كمثل غيث أعجب الزُّرّاع نباتُه ثم يجفّ فتراه مصفرًّا ثم يصير حطامًا. وفي الآخرة عذاب شديد (للجاحدين) ومغفرة من الله ورضوان (للمؤمنين). وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور." (الحديد 57:20)
وَٱبْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ
"وابتغِ فيما آتاك الله الدارَ الآخرة، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا، وأحسِن كما أحسن الله إليك، ولا تبغِ الفساد في الأرض؛ إن الله لا يحب المفسدين." (القصص 28:77)
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ
"وإذ أعلَمَكم ربُّكم: لئن شكرتم لأزيدنّكم (من نعمتي)، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد." (إبراهيم 14:7)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) عند جمع هذه الآيات، أول ما يلفت النظر أن المذموم ليس "المال" مباشرةً، بل "التكاثر"، أي سباق المضاعفة. ففي 102:1-2 ما يقول الله إنه "ألهاكم" ليس المال نفسه، بل الرغبة التي لا تشبع في التكديس؛ سباق يُلهي الإنسان حتى يواجه حقيقة الموت.
(تأويل) و57:20 تسير على الخط ذاته: تصف الحياة الدنيا بأنها "لعب ولهو وزينة وتفاخر وسباق في الأموال والأولاد" دون أن تحرّمها، مذكِّرةً بأنها زائلة. ومثلُ الزرع الذي ينبت بالغيث ثم يصفرّ ويصير حطامًا يفيد أن المال ليس عديم القيمة بل مؤقّت (تأويل). ثم تتحدث الآية نفسها عن "المغفرة والرضوان" في الآخرة، فلا تغلق الباب بل تدعو إلى التوازن.
(تأويل) و28:77 تُقيم التوازن بأوضح صورة: "وابتغِ الدار الآخرة" و"لا تنسَ نصيبك من الدنيا" في جملة واحدة. فالنص لا يمدح هجر الدنيا كليًّا ولا الانغماس فيها، بل يقترح العيش بينهما، بالإحسان واجتناب الفساد. و14:7 تعطي الأرضية القلبية لهذا التوازن: المهم ليس امتلاك النعمة بل شكرها؛ والشكر يزيد.
قراءات مختلفة
(تأويل) يستنتج بعض القرّاء من هذه الآيات أن المال يُمسَك في اليد ولا يُحمَل في القلب: "اليد تكسب والقلب لا يُستعبَد." ويميل آخرون نحو الزهد والبساطة. وكلتا القراءتين لا تناقض النص؛ غير أن النص نفسه لا يأمر بمستوى معيّن من الدخل ولا ينهى عنه. والحفاظ على هذا التمييز مهم.
حدّ أمين
ما يقوله النص يقينًا: أن سباق التكاثر يُلهي (102:1-2)، وأن الحياة الدنيا زائلة (57:20)، وأن أخذ نصيب مشروع من الدنيا مشروع (28:77)، وأن الشكر سلوك يزيد (14:7).
أما ما لا يحدّده النص عدديًّا، فيقع في دائرة التأويل: أين ينتهي "المال الكافي" ويبدأ "الطمع" بالضبط. هذا الحدّ ليس رقمًا بل يتعلق بالنية وحال القلب، ويختلف من شخص إلى آخر (تأويل). كما أن كون المال حرامًا في ذاته أو الفقر فضيلة في ذاته ليس تصريحًا قاطعًا لهذه الآيات.
الخلاصة: القرآن لا يذمّ المال؛ إنما يذمّ أن يصرف السباقُ الدائب خلفه الإنسانَ عن هدفه الحقيقي. واسم التوازن واضح في هذه الآيات: خذ نصيبك المشروع من الدنيا، وأحسِن، ولا تنسَ أنها زائلة، واشكر ما عندك. وما بقي حساب يصفّيه كل قلب بنفسه.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.