عبر التاريخ ظهر دائمًا من إذا أوتي السلطان تجاوز كل حدّ، حتى ادّعى الألوهية. ويروي القرآن هذا النموذج بأوضح صوره من خلال فرعون. وقراءة قصته تضع مرآةً أمام بذرة الكِبْر الصغيرة في داخل كلٍّ منا. ليست هذه القصة اتهامًا، بل تنبيهٌ صادق إلى كيف يخدع السلطانُ صاحبَه، ودعوةٌ دافئة إلى الرجوع إلى الله.
ماذا يقول القرآن؟
قال فرعون: “يا أيها الملأ! ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري...” (28:38)
(جمع أتباعه) فنادى فيهم وقال: “أنا ربكم الأعلى.” (79:24)
واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وظنّوا أنهم إلينا لا يُرجعون. (28:39)
فلما أدركه الغرق قال (فرعون): “آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين!” (10:90)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) مأساة فرعون أن السلطان قد يخدع الإنسان حتى يجعله يُعظّم ذاته المحدودة: أولًا “ما علمتُ لكم من إلهٍ غيري” (28:38)، ثم “أنا ربكم الأعلى” (79:24). وتسمّي الآية هذا الموقف بوضوح “الاستكبار بغير الحق” (28:39)، وتربطه بالظنّ أنه “لا يُرجَع” إلى الله، أي بإنكار الحساب. والدرس الذي يقدّمه النص (تأويل): أن أصل الكِبْر هو نسيان أن المرء سيُحاسَب.
والمشهد الأخير لافت: حين يبلغ الماءُ حلقه يجد لسان الإيمان (10:90). وهذه الآية وحدها لا تحسم هل يُقبل إيمانُ آخر لحظة؛ (تأويل) وأكثر القراءات الكلاسيكية لا تَعُدّ الإيمان الذي يأتي عند انعدام الخيار رجوعًا صادقًا. وهنا يجب التمييز بين النص والتأويل.
الكلمة المفتاح / الجذر
(ملاحظة) الفعل “استكبر” في (28:39) من الجذر “ك-ب-ر”، ومعناه التعاظمُ وعدُّ النفس كبيرة. ومن الجذر نفسه: “الكِبْر” و“المتكبّر”. وقيد “بغير الحق” في الآية مهمّ: (تأويل) فليست المشكلة في طلب العلوّ بذاته، بل في أن ينسب المرء لنفسه علوًّا لا يستحقّه.
قراءات مختلفة
(تأويل) بعض القراءات تحمل قوله “أنا ربكم الأعلى” (79:24) على ادّعاء الألوهية حرفيًّا؛ وبعضها يفهمه ضمن عقيدة الملك-الإله في ذلك العصر بوصفه ادّعاءً للسلطة السياسية المطلقة. وكلتا القراءتين تشتركان في الجوهر نفسه: مخلوقٌ ينتحل مقامًا لا يكون إلا لله وحده. والنص واضح في هذا الجوهر، وإنما يتغيّر التركيز في التفصيل تأويلًا.
الحدّ الأمين
المؤكَّد على مستوى النص: أن فرعون ادّعى الألوهية / الربوبية العليا (28:38؛ 79:24)، وأن هذا وُصف بأنه “استكبار بغير الحق” (28:39)، وأن نهايته كانت الغرق (10:90). والمتنازَع فيه على مستوى التأويل: أسباب عدم قبول إيمانه في آخر لحظة، والمعنى الدقيق لـ“الرب الأعلى”، وكيفية تطبيق الحادثة على بِنى السلطة المعاصرة. ولا نفرض هذه الأمور كأنها حقيقة قاطعة.
الخلاصة: لم تُروَ قصة فرعون لتخويفنا بل لإيقاظنا. وأعظم خطرٍ في داخلنا أن السلطان وإن كان يسيرًا قد يدفعنا إلى توهّم أنْ “لا حساب”. غير أن الرجوع ممكن قبل أن يبلغ الماءُ حلوقنا؛ فكل لحظة يلين فيها القلب بابٌ مفتوح للعودة إلى الله. وهذا الباب مفتوحٌ دافئٌ لنا جميعًا.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.