← الأدلة

العلم والتعلّم: دعوة القرآن إلى المعرفة

يتساءل كثيرون: ماذا يطلب القرآن من الإنسان؟ حين ننظر إلى أوائل ما نزل من الآيات، نجد أنّ الدعوة تنفتح منذ البداية على المعرفة والقراءة. تحاول هذه المقالة أن تفهم ما يقوله القرآن عن العلم والتعلّم بلغة الآيات نفسها؛ بنيّة الدعوة لا الفرض.

ماذا يقول القرآن؟

ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ (96:1)

خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ (96:2)

ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ (96:3)

ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ (96:4)

عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (96:5)

والتعلّم مطلبٌ مستمرّ:

وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا (20:114)

وقيمة العلم ورفعته:

...يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (58:11)

...قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (39:9)

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) إنّ الصورة التي تجمعها هذه الآيات لافتة: فأوّل كلمة نزلت هي أمرٌ بـ"اقرأ"، ويتلوها مباشرةً ذكرُ القلم والكتابة وتعليمِ الإنسان ما لم يكن يعلم (96:1-5). فالتعلّم ليس موضوعًا أُضيف لاحقًا، بل هو في صميم الدعوة منذ لحظتها الأولى.

(تأويل) ودعاء "رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا" في الآية (20:114) يشير إلى أنّ العلم ليس شيئًا يُكتمل ويُترك عند حدّ، بل هو مطلوبٌ على الدوام. أمّا الآيتان (58:11) و(39:9) فتقدّمان العلم قيمةً وصفةً ترفع صاحبها.

قراءات مختلفة

(تأويل) ثمّة قراءات متعدّدة لمدى "العلم" في هذه الآيات. فبعض القرّاء يفهمونه أوّلاً علمًا دينيًّا متعلّقًا بالوحي؛ وبعضهم يقول إنّه يشمل كلّ علمٍ نافع، دينيًّا كان أو دنيويًّا. والنصّ نفسه لا يضع تصنيفًا "هذا النوع من العلم مقابل ذاك"؛ فهذا التمييز من تأويل القارئ، ولا يصحّ فرض قراءة واحدة.

الحدّ الأمين

القطعيّ في النصّ: الأمر بـ"اقرأ"، وذكرُ التعليم بالقلم، وطلبُ الزيادة في العلم، وأنّ الذين يعلمون والذين لا يعلمون لا يستويان (96:1-5؛ 20:114؛ 58:11؛ 39:9). أمّا التمييزُ بين "علمٍ دنيويّ ودينيّ" المُستنبَط من هذه الآيات، أو مناهجُ بعينها ونتائجُ مؤسّسيّة، فهو من حيّز التأويل لا من لفظ النصّ، وينبغي وسمُه بذلك.

الخلاصة: أوّل كلمة في القرآن تدعو إلى القراءة؛ والتعلّم مطلبٌ مستمرّ لا لحظيّ، والعلم يُقدَّم قيمةً ترفع الإنسان. وما عدا ذلك — أنواع العلم وحدوده وتطبيقاته — فهو موضوع جهد الفهم والتأويل.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة