كم نصيبنا الحقيقي ممّا في أيدينا من مالٍ ومُلكٍ ونجاح؟ يجيب القرآن عن هذا السؤال بقصةٍ من الماضي، دافئةٍ ومُوقِظةٍ في آنٍ واحد: قصة قارون. إنها لا تتحدث عن ثروته، بل عن موقفه من تلك الثروة. ولذلك ليست هذه القصة ضدّ الغِنى؛ بل هي مرآةٌ في وجه الكِبر وكفران النعمة. تعال ننظر في هذه المرآة معًا.
ماذا يقول القرآن؟
إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ (28:76)
قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِىٓ ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِۦ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا (28:78)
فَخَسَفْنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُنتَصِرِينَ (28:81)
وَأَصْبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوْا۟ مَكَانَهُۥ بِٱلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ ... وَيْكَأَنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ (28:82)
ماذا نتعلّم؟
الواضح على مستوى النصّ أنّ قارون كان حقًّا صاحب ثروةٍ عظيمة (28:76)، وأنّ هذه الثروة أُعطِيت له نعمةً. فالمشكلة ليست في الغِنى ذاته، بل في الموقف الكامن في قوله: "إنما أوتيتُه على علمٍ عندي" (28:78).
(تأويل/رأي) من هنا يمكننا أن نقرأ: ليس الامتحان في قلّة المال أو كثرته، بل في أنّ الإنسان لمن يَنسِب ذلك المال. فحين ربط قارون النعمة بمهارته ونسي اليد التي أعطته، تحوّلت النعمة إلى فخّ. وتحذير قومه "لا تفرح" (28:76) هو في الحقيقة يدٌ ودودةٌ ممدودةٌ إلى كلٍّ منا.
الكلمة / الجذر المفتاح
تشير عبارة "الفرِحين" (المتباهين/البطِرين) في الآية إلى ذلك الكِبر النشوان الذي قد يولّده المال. القرآن لا يحرّم المال، بل يحرّم هذا الكِبر الذي يستعبد به المالُ صاحبَه (28:76). وفي القصة نفسها، تذكّرنا عبارة "يبسط الرزق... ويقدر" في (28:82) بأنّ الوفرة والضيق ليسا في يد الإنسان، بل عند مَن وضع المقدار.
قراءات مختلفة
- قراءة: "الخسف بالأرض" في (28:81) حدثٌ تاريخيّ/مادّيّ للهلاك، يُظهر بمشهدٍ ملموس نهاية مَن يتّكئ على الثروة.
- قراءة أخرى: هذا المشهد أيضًا درسٌ رمزيّ؛ فكومة المال لا تحمي صاحبها، لأنه "ما كان له من فئةٍ ينصرونه" (28:81).
نصّ القرآن يصرّح بوقوع الهلاك؛ أما التفاصيل وراء ذلك (أين وكيف) فتنتمي إلى مجال التأويل وليست قطعية.
الحدّ الأمين
- القطعيّ في النصّ: ثروة قارون العظيمة (28:76)، وقوله المتكبّر (28:78)، وهلاكه (28:81)، والدرس الذي أخذه الباقون (28:82).
- المُختلَف فيه تأويلًا: كيفية تطبيق الدروس الأخلاقية المستخلَصة من القصة على حياتنا اليومية، وتأكيدات التفسير على كون المال "أمانة" -فهذه استنتاجاتٌ قيّمة، لكنها جهدٌ في الفهم لا لفظُ النصّ.
الخلاصة: قصة قارون لم تأتِ لتخوّفنا من الغِنى، بل لتفتّش قلوبنا. من السهل أن نقول عن نعمةٍ في أيدينا: "أنا كسبتُها"؛ لكنّ حمل تلك النعمة بوصفها أمانةً، بشكرٍ، يرفع الإنسان في العقبة الصاعدة. انظر مرةً أخرى إلى ما تملكه اليوم: أيُقرّبك من المُعطي، أم يُغلقك على نفسك كما أُغلِق قارون؟ الدعوة مفتوحةٌ ودافئة: أن نذكر النعمة مع مَن أعطاها.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.