مشاركة ما نملكه تبدو صعبة على أكثرنا؛ غير أنّ القرآن يتحدّث عن العطاء لا بوصفه خسارةً بل تطهيرًا وبركة. إنّ حبس المال لا يُغنينا، بل المشاركة هي التي تُطهّر المُعطي والمجتمع معًا. تعالَوا نحاول أن نفهم "لماذا" الإنفاق والزكاة من خلال لغة الآيات نفسها.
ماذا يقول القرآن؟
خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (9:103)
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍ مِّا۟ئَةُ حَبَّةٍ ۗ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ (2:261)
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ (2:267)
ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (57:7)
الكلمة المفتاح / الجذر
هناك كلمات تلفت النظر على مستوى النصّ. إنّ كلمة "تُزَكِّيهِم" الواردة في (9:103) تشترك مع كلمة "زكاة" في الجذر نفسه (ز-ك-و / ز-ك-ي)، وهذا الجذر في العربية يحمل معنيي "التطهير/الطهارة" و"النموّ/البركة". أمّا كلمة "تُطَهِّرُهُمْ" في الآية نفسها فمن جذر آخر (ط-ه-ر) ومعناها "التنظيف والتطهير". و"الإنفاق" (الجذر ن-ف-ق) يعني الصرف والمشاركة. وكلمة "مُسْتَخْلَفِينَ" في (57:7) من الجذر خ-ل-ف، وتشير إلى "مَن اؤتُمن على شيء وجُعل خليفةً وكيلًا فيه". (هذه الملاحظة الجذرية على مستوى النصّ والمعجم؛ وليست تأويلًا تفسيريًا مفصّلًا.)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) عند قراءة هذه الآيات معًا تتشكّل صورة: فبحسب (9:103) العطاءُ فعلٌ "يُطهّر" المُعطي بقدر ما يطهّر الآخذ؛ أي إنّ الإنفاق أوّلًا تطهيرٌ للقلب من البخل والأنانية، لا للمال فحسب. وصورة السنابل السبع في (2:261) صورةٌ داعية تُبيّن أنّ ما يُعطى لا يضيع بل يتضاعف أضعافًا. وتضع (2:267) معيارًا لأخلاق العطاء: فالإنسان مدعوٌّ إلى مشاركة طيّب كسبه، لا الرديء الذي لا يقبله هو نفسه إلّا بإغماض عين. وتُكمل (57:7) الصورة: فالمال في حقيقته لله، والإنسان ليس إلّا أمينًا "مستخلَفًا" عليه. وتذكّرُ أنّ المالك الحقيقيّ هو الله يحوّل العطاء من تضحية إلى وضعٍ صحيح للأمانة في موضعها.
قراءات مختلفة
يستعمل النصّ القرآنيّ مفهومَي "الإنفاق" (الصرف/المشاركة في سبيل الله عمومًا) و"الزكاة". وفي التراث الإسلاميّ يُميَّز بينهما هكذا: تُقرأ "الزكاة" بوصفها فريضةً تُؤخذ من أموال مخصوصة بنسب مخصوصة؛ بينما يُقرأ "الإنفاق/الصدقة" بوصفه مشاركةً أوسع وتطوّعية. أمّا تفاصيل مقادير هذا التمييز ونسبه (النصاب، النسب المئوية، كم يُؤخذ ومن أيّ مال) فمستمدّةٌ في جلّها من الحديث والفقه؛ ولا تذكر هذه الآيات من النصّ القرآنيّ نسبًا عددية. وينبغي قول هذا بصدق.
حدٌّ أمين
المؤكَّد على مستوى النصّ: أنّ العطاء/الإنفاق يُطهّر المُعطي (9:103)، ويُبارَك فيه (2:261)، وأنّه ينبغي العطاء من طيّب المال (2:267)، وأنّ الإنسان أمينٌ مستخلَفٌ على المال (57:7). وعلى مستوى التأويل: فإنّ قراءة هذه الآيات عبر موضوعات مثل "تطهير الثروة، والعدالة الاجتماعية، والتحرّر من الأنانية" استنتاجٌ ذو معنى، لكنّه قراءةٌ تفسيرية. أمّا الجزء المختلَف فيه / غير الموجود في نصّ القرآن: فهو النسب الدقيقة للزكاة ومقادير النصاب وتفاصيل الإلزام؛ وهي أحكامٌ فقهية لا ترد في لفظ هذه الآيات.
الخلاصة: العطاء بلغة القرآن ليس نقصانًا، بل تطهيرٌ للقلب وبركةٌ للمال وسكينةُ إيصال الأمانة إلى موضعها. ولعلّ أجمل بداية أن نتذكّر لمن يعود حقًّا ما نملكه، وأن نخطو نحو هذا التطهير اليوم بمشاركة صادقة وإن كانت صغيرة.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.