لكلٍّ منّا لحظاتٌ يشعر فيها بالحصار، يضيق فيها النَّفَس، ونسأل: "كيف سيمرّ هذا؟" في مثل هذه الأوقات لا يستخفّ القرآن بالصعوبة؛ لكنه أيضًا لا يترك الإنسان وحده. لنقرأ فيما يلي بعض الآيات، مع التمييز بين ما يقوله النصّ والمعنى الذي نستنبطه منه.
ماذا يقول القرآن؟
فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا
لا شكّ أنّ مع كلّ عُسرٍ يُسرًا. (94:5)
إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا
(نعم)، لا شكّ أنّ مع كلّ عُسرٍ يُسرًا. (94:6)
يتكرّر القولُ نفسُه مرّتين. فالشدّة ليست حالًا دائمًا؛ بل هي معبرٌ يحمل في جنبه يُسرًا.
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ
لا شكّ أنّنا سنبتليكم بشيءٍ من الخوف والجوع؛ و(كذلك) بنقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات. وبشّر الصابرين! (2:155)
ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ
(وهؤلاء هم) الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذكر الله. ألا! إنّما تطمئنّ القلوب بذكر الله. (13:28)
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا
ويرزقه من حيث لا يحتسب. ومن يتوكّل على الله فهو حسبُه. لا شكّ أنّ الله بالغُ أمره. ولقد جعل الله لكلّ شيءٍ مقدارًا. (65:3)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) حين نضع هذه الآيات جنبًا إلى جنب، تبرز ثلاثة مواقف مصاحبة:
- الصبر. تقول 2:155 صراحةً إنّ الشدّة حقيقية؛ فلا تقول إنّ الخوف والجوع والفقد "لن تكون" — بل تجعلها ابتلاءً، والبشرى تُعطى للصابرين.
- الذكر. بحسب 13:28 فإنّ موضع طمأنينة القلب هو ذكر الله. (تأويل) يمكن قراءة هذا كملجأٍ عمليّ: بابٌ نرجع إليه لحظة نشعر بالضيق.
- التوكّل. تقول 65:3: "ومن يتوكّل على الله فهو حسبه"، وتذكّرنا بأنّ الرزق قد يأتي من حيث لا نحتسب.
(تأويل) ثمّ إنّ تكرار 94:5-6 مرّتين يبسط فوق كلّ ذلك أرضًا من الرجاء: فالشدّة ليست نهايةً، بل عتبةٌ حُبلى باليُسر.
حدٌّ صادق
ما هو قطعيّ في النصّ: مع العُسر يُسرٌ (94:5-6)؛ والقلوب تطمئنّ بذكر الله (13:28)؛ ومن توكّل فالله حسبُه (65:3). أمّا الوعود من نوع "سيمرّ في مدّةٍ كذا" أو "اقرأ هذا كذا مرّة فيُحلّ في الحال" فليست في النصّ؛ تلك من مجال التأويل والتجربة. وهذه المقالة نصُّ تعزيةٍ ودعوة؛ وفي حالات القلق الشديد أو الاكتئاب أو وجود خطرٍ على السلامة، قد يكون طلب الدعم من مختصّ أو ممّن تثق به جزءًا من هذا التوكّل نفسه.
الخلاصة: لا يطلب منك القرآن أن تتجاهل الشدّة؛ بل يدعوك إلى حملها بالصبر، وتسكين قلبك بالذكر، وترك العاقبة إليه — لأنّ مع كلّ عُسرٍ يُسرًا يسير.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.