← الدعوى والدليل

هل الأذان في القرآن؟

الدعوى/السؤال: "الأذان لا يرد في القرآن البتّة. فاللفظ الذي يُرفع من المئذنة، وترتيبه، ولحنه — لا شيء منه مكتوب في الكتاب. إذن الأذان تقليد استُحدث بعد ذلك. وإن قلتم 'القرآن كافٍ' فعليكم أن تطرحوا الأذان جانبًا كذلك."

الاعتراض يستحق جوابًا جادًّا، لأن فيه ملاحظة صحيحة: البحث في القرآن عن لفظ الأذان الذي نسمعه اليوم بحث لا طائل تحته. غير أن الاعتراض — وإن صيغ في جملة واحدة — يجمع دعويين متمايزتين: "لا وجود للنداء إلى الصلاة في القرآن"، و"لفظ الأذان المعروف اليوم ليس في القرآن". وليستا شيئًا واحدًا، ولا يجيب النص عنهما جوابًا واحدًا.

ماذا يقول القرآن؟

يذكر القرآن النداء إلى الصلاة في موضعين مستقلّين. الأول في سياق الجمعة:

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْا۟ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ

“إذا نادى المؤذن للصلاة في يوم الجمعة، فامضوا إلى سماع الخطبة وأداء الصلاة، واتركوا البيع.” (62:9)

الفعل نُودِيَ مبني للمجهول: "إذا وقع النداء". فلا يُذكر مَن ينادي، ولا بأيّ وسيلة، ولا بأيّ ألفاظ. المذكور وحده أن النداء يقع، وأن على المخاطب أن يسعى إليه. فالآية لا تُنشئ النداء، بل تفترضه أمرًا معلومًا.

والموضع الثاني يتعلق بكيفية تلقّي الخارج لهذا النداء:

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا

“وإذا أذَّن مؤذنكم -أيها المؤمنون- بالصلاة سخر اليهود والنصارى والمشركون واستهزؤوا من دعوتكم إليها.” (5:58)

الفعل هنا مبني للمعلوم مسند إلى ضمير المخاطبين: نَادَيْتُمْ — "إذا ناديتم أنتم". وهذا يدلّ على أن النداء فعل يقوم به المؤمنون، وأنه مسموع علنيّ منتظم بقدر يجعله محلًّا للسخرية. أمّا التذكير الصامت الباطن فلا تجد السخرية فيه ما تتعلق به.

ملاحظة جذرية (مأخوذة عدًّا من قاعدة البيانات). الفعلان من جذر واحد: ن-د-ي (النداء: الصياح والدعاء). ورد هذا الجذر في 53 كلمة في القرآن، وأكثرها لا صلة له بالصلاة: نداء أصحاب الجنة أصحاب النار (7:44)، ونداء زكريا الخفيّ (19:3)، ونداء يونس في الظلمات (21:87). فالقرآن يعبّر عن النداء إلى الصلاة بفعل النداء العام لا بمصطلح خاص.

أمّا لفظ "الأذان" الذي نستعمله اليوم فمن جذر آخر: أ-ذ-ن (الإذن؛ والإعلام والإبلاغ). ورد هذا الجذر في 102 كلمة، لكن 39 منها بمعنى "الإذن"، و23 بمعنى "أذِنَ"، و18 بمعنى "الأذن" الجارحة. أمّا الاسم أَذَان بمعنى الإعلام فلم يرد إلا مرة واحدة، وموضوعه الحج لا الصلاة:

وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ

“وإعلام من الله ورسوله وإنذار إلى الناس يوم النحر أن الله بريء من المشركين، ورسوله بريء منهم كذلك.” (9:3)

والفعل أَذَّنَ بمعنى الإعلام ورد في ثلاثة مواضع (7:44، 12:70، 22:27)، واسم الفاعل مُؤَذِّن في موضعين (7:44، 12:70). وليس في هذه المواضع الخمسة موضع واحد للنداء إلى الصلاة. أحدها إعلام بالحج:

وَأَذِّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ

“وأعلِمْ الناس بوجوب الحج عليهم يأتوك على مختلف أحوالهم مشاةً وركبانًا.” (22:27)

والثاني صوت يُعلن بين فريقين في الآخرة:

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ

“فأذَّن مؤذن بين أهل الجنة وأهل النار: أنْ لعنة الله على الظالمين.” (7:44)

والثالث مُنادٍ يصيح خلف العير في قصة يوسف (12:70). فكلمة "المؤذّن" واردة في القرآن، لكنها لا تدلّ في أيّ موضع منه على المنادي إلى الصلاة.

وسببُ الحاجة إلى النداء أن الصلاة مؤقّتة بأوقات:

إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا

“ولا تفرِّطوا فيها فإنها واجبة في أوقات معلومة في الشرع.” (4:103)

وإذا انقضى الاجتماع عادت الحياة مجراها؛ فالنداء فاصلة لا قطيعة:

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ

“فانتشروا في الأرض، واطلبوا من رزق الله بسعيكم.” (62:10)

ماذا نتعلم؟

(تعليق) الدعوى الأولى — "لا نداء إلى الصلاة في القرآن" — لا تثبت أمام النص. فالآيتان 62:9 و5:58 تسجّلان النداء تسجيل الواقع لا تسجيل المحتجّ له. بل تعلّق 62:9 عليه حكمًا: إذا سُمع النداء تُرك البيع. والحكم لا يُعلَّق على ممارسة معدومة. وإذا ضُمّت إليهما 4:103 ظهرت الصورة: عبادة موقوتة، وإعلان مسموع علنيّ لوقتها.

(تعليق) والدعوى الثانية — "لفظ الأذان المعروف اليوم ليس في القرآن" — صحيحة، ولا يسعى هذا المقال إلى ردّها. فالقرآن لا يبيّن ماذا يقول المنادي، ولا كم جملة، ولا بأيّ ترتيب، ولا مَن يقولها، ولا مِن أين، ولا بأيّ لحن. وكل ذلك خارج النص. والذي في النص هو وظيفة النداء: إعلام الوقت وجمع الجماعة. أمّا اللفظ والصورة فحلول أنتجتها العصور اللاحقة لأداء هذه الوظيفة.

(تعليق) والثالثة مسألة معجمية، وفيها منشأ أكثر اللبس. فالقرآن يعبّر عن النداء إلى الصلاة بالجذر ن-د-ي، ولا يستعمل الاسم أذان للصلاة قطّ. فالأذان بالمعنى المتداول اليوم ليس مصطلحًا قرآنيًّا بل اسمًا استقرّ لاحقًا. وهذا لا يجعل الاسم خطأً — لكن الاستدلال بـ9:3 على أن "كلمة الأذان في القرآن" استدلال مُضلِّل: فالأذان هناك إعلان يوم الحج، لا دعوة إلى صلاة.

(تعليق) ورابعًا، تدلّ 5:58 على أن النداء كان مسموعًا من أول أمره؛ فالاستهزاء لا يقع إلا بمسموع. وهذه القرينة تُضعِف قراءةً تجعل النداء الأول تذكيرًا خافتًا ثم صار جهريًّا بعدُ: إذ لا يستقيم مشهد السخرية إلا إذا بلغ النداء آذان الخارجين عن الجماعة.

قراءات مختلفة

(تعليق) القراءة اللغوية: البناء للمجهول في نُودِيَ يترك الفاعل مفتوحًا عمدًا. وعلى هذه القراءة فالإبهام سعة لا نقص: تُرك تعيين المنادي وكيفية النداء إلى الجماعة. فالنص ثبّت ما أراد تثبيته — الوقت والاجتماع وترك البيع — وترك سواه مفتوحًا.

(تعليق) القراءة التقليدية: القرآن يضع الإطار، والتطبيق يستكمله الطور النبويّ. وعلى هذه القراءة لا يُنتظر وجود لفظ الأذان في القرآن أصلًا، فالقرآن لم يذكر عدد ركعات الصلاة كذلك. فالأذان هو الصورة المؤسَّسة للنداء الذي تفترضه 62:9؛ لا يعارض النص بل يملأ ما تركه.

(تعليق) قراءة الاكتفاء بالقرآن: الواجب هو النداء نفسه لا لفظ بعينه. وأيّ وسيلة تختارها الجماعة لإعلام الوقت تحقّق ما طلبته 62:9. وقوّة هذه القراءة في التزامها بالنص، وضعفها عمليّ: فمن دون لفظ مشترك يفقد "النداء" تعرّفه الاجتماعي، وتزول العلانية التي تفترضها 5:58.

(تعليق) القراءة التاريخية الأكاديمية: مشهد الاستهزاء في 5:58 يدلّ على أن النداء وُجد مبكرًا وكان متميّزًا بقدر يلفت انتباه الجماعات الدينية المجاورة. وهذه القراءة تُقرّ بأن صورة النداء استقرّت مع الزمن، وتعدّ ذلك تأسيسًا معتادًا لا فسادًا. وتلاحظ كذلك أن مصطلح الأذان اكتسب دلالته على النداء إلى الصلاة بعد العصر القرآني.

الحدّ الأمين

المقطوع به في النص: أن نداءً مسموعًا علنيًّا إلى الصلاة كان يقع، مسجَّل في موضعين (62:9، 5:58). وأن حكمًا معلَّق عليه: إذا سُمع نداء الجمعة تُرك البيع وسُعي إلى الذكر (62:9). وأن الصلاة موقوتة (4:103). وأن الاسم أَذَان ورد مرة واحدة في إعلان الحج (9:3)، وأن أَذَّنَ ومُؤَذِّن لا يدلّان على النداء إلى الصلاة في مواضعهما (7:44، 12:70، 22:27).

المتروك للاجتهاد: لفظ النداء وعدد جمله وترتيبها وتكرارها ولحنها وموضع رفعه ومَن يرفعه. وكذلك عدد مرّاته في اليوم لا يرد في النص؛ فـ62:9 تتكلم في سياق الجمعة وحدها. فالقول "الأذان المعروف أمر قرآني" والقول "لا نداء في القرآن" كلاهما يزيد على ما قاله النص.

وهذا المقال ليس فتوى في الأذان، ولم يُكتب لإقرار الممارسة القائمة ولا لإلغائها. إنما يفصل بين أمرين: ما أعطاه النص وما أضافته الممارسة اللاحقة.

الخلاصة: النداء إلى الصلاة موجود في القرآن — بصيغة المجهول (62:9)، وبصيغة المعلوم (5:58)، ومعلَّق عليه حكم. أمّا لفظ ما نسمّيه اليوم أذانًا وترتيبه ولحنه فليس فيه؛ بل الكلمة نفسها لا تُستعمل في القرآن للصلاة (9:3، 22:27، 7:44). والجملة الأمينة تجمع الشطرين: القرآن يأمر بالنداء ولا يصوغ ألفاظه. فجواب سؤال "هل الأذان في القرآن؟" ليس كلمة واحدة — النداء نعم، واللفظ لا.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات القرآن (بترجمة م. أوكويان بالتركية، وتفسير الميسّر بالعربية). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة