← الدعوى والدليل

هل حقّ الطلاق للرجل وحده؟ (الخلع والحقوق المتبادلة)

السؤال/الدعوى: «الطلاق في الإسلام أحاديّ الاتجاه: للرجل أن يطلّق متى شاء بلا سبب وبلا مقابل، ولا تملك المرأة مثل ذلك. وإن أرادت الخروج وجب عليها ردّ المهر، وفوق ذلك أخذ موافقة الزوج. فالرجل يخرج مجّانًا والمرأة تشتري خروجها — وهذا تفاوتٌ ظاهر.»

السياق

للاعتراض منطلقٌ صحيح: في الفقه الكلاسيكي عدم تماثل. لكن لننظر أولًا إلى النصّ. القرآن لا يحصر الطلاق في آليةٍ واحدة؛ بل تظهر أربعة أسسٍ متمايزة:

  • الطلاق — إمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان (٢:٢٢٩: ﴿الطلاق مرّتان فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان﴾).
  • الخلع/الافتداء — خروج المرأة بردّ ما أخذت (٢:٢٢٩: ﴿فإن خفتم ألّا يقيما حدود الله فلا جُناح عليهما فيما افتدت به﴾).
  • التحكيم — ٤:٣٥: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها﴾.
  • الصلح — ٤:١٢٨: إن خافت المرأة من زوجها نشوزًا أو إعراضًا ﴿فلا جُناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾.

ومن سبب نزول الخلع ما رُوي (تأويل: رواية): أنّ امرأة ثابت بن قيس أتت النبيّ فقالت «ما أعيب عليه في دينٍ ولا خُلُق، ولكنّي لا أطيقه»، فسألها النبيّ: «أتردّين عليه حديقته (التي أمهرها)؟» فلمّا رضيت قال النبيّ لثابت: «اقبل الحديقة وطلّقها تطليقة» (البخاري، الطلاق ٥٢٧٣).

قراءتان

القراءة الكلاسيكية (المذاهب الأربعة/الجمهور). يجعل ابن كثير والقرطبي الآية ٢:٢٢٩ دليلَ مشروعية الخلع. ويربط الجمهور الخلع غالبًا برضا الزوج وبِـعوضٍ لا يتجاوز المهر؛ ويكون هذا الطلاق «بائنًا» لا يملك الزوج معه الرجعة أحاديًّا في العدّة. ويراه خطّ الشافعية والحنفية نوعًا من العقد/التراضي. فالمرأة ليست «محبوسة»، لكنّ طريق خروجها أكثر تقييدًا من الرجل — قد يستلزم عوضًا أو رضًا أو حاكمًا. وفي المذهب المالكي خاصةً وُسِّعت حالاتٌ تطلب فيها المرأة الفسخ/التفريق قضاءً — للضرر أو عدم الإنفاق أو غياب الزوج ونحوها.

القراءة الحديثة/القرآنية-المركز. يؤكّد هذا الخطّ (مثل محمد أوكويان، kuranokuyan.com) أنّ الطلاق في القرآن يقوم على أساسٍ متبادَل لا أحاديّ. فـ٢:٢٢٨ صريحة: ﴿ولهنّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف﴾؛ وكلمة «درجة» في آخرها تُقرأ لا على أنّها تفضيل، بل مسؤوليةً/خطوةً تقع على الرجل في ذلك السياق (العدّة والرجعة) (تأويل). وعلى هذه القراءة تدلّ ٢:٢٢٩ على أنّ للمرأة أيضًا حقًّا في أحكام الطلاق، وأنّ لها كالرجل أن تلجأ إلى القضاء لإنهاء الزواج؛ وأنّ عوض الخلع ليس عقوبةً بل ردٌّ للمهر الذي أخذته — تكافؤٌ ماليّ (تأويل). و٤:١٣٠ تجعل الفراق نهايةً كريمة لا كارثة: ﴿وإن يتفرّقا يُغنِ اللهُ كلًّا من سعته﴾.

حدٌّ أمين

الجانب المحقّ في الاعتراض: مع أنّ القرآن يعلن حقوقًا متبادلة (٢:٢٢٨)، ففي النظام الفقهي المتشكّل تاريخيًّا عدمُ تماثل — إذ يستطيع الرجل في أكثر الأقوال أن يمارس الطلاق أحاديًّا وبلا عوض، بينما يتوقّف خلع المرأة في أكثر الأقوال الكلاسيكية على رضا الزوج وردّها للمهر. فإن أبى أو طلب عوضًا فاحشًا قد تُحبَس فعليًّا؛ ويرى النقد النسويّ/الأكاديمي (مساواة، Brandeis FSE) أنّ هذا يترك المرأة عرضةً للإساءة.

ولنفصل ما هو قطعيّ في النصّ عمّا هو محلّ خلافٍ في التأويل. القطعيّ نصًّا: أنّ القرآن يمنح المرأة طريقَ خروج (الخلع/الافتداء، ٢:٢٢٩) ويعلن حقوقها «مثلًا/مكافئة» (٢:٢٢٨). والمختلف تأويلًا: (أ) هل يتوقّف الخلع على الرضا الكيفيّ للزوج أم على حكم القاضي؟ — في لفظ الحديث أمر النبيُّ ثابتًا أن يقبل الحديقة ويطلّقها (أي إنّ الزوج هو من يوقع الطلاق)؛ فرأت القراءة الإصلاحية في تدخّل النبيّ الحاسم نوعًا من حكمٍ قضائيّ/تحكيميّ يمكن معه ربط الخلع بحكم المحكمة، بينما ترى القراءة الكلاسيكية في اللفظ نفسه دليلًا على اشتراط رضا الزوج وإيقاعه الطلاق (تأويل). وعلى هذه القراءة استندت مصر عام ٢٠٠٠ في إصلاحٍ (القانون رقم ١ لسنة ٢٠٠٠) يمنح المرأة الخلع قضاءً — بردّ المهر والتنازل عن حقوقها الماليّة — دون موافقة الزوج (مصدرٌ ثانويّ — لم يُتحقَّق هنا من نصّ التشريع الأصلي). (ب) والقرآن كذلك لا يحرّم صراحةً طلاقَ الرجل الأحاديّ؛ فالنصّ يعلن حقوقًا متبادلة لكنّه لا يجعل إجراءَي الخروج متماثلَين حرفيًّا. ومَن يملأ هذا الفراغ ولصالح مَن — عوضٌ/رضًا أم حكمُ قاضٍ — مسألةُ تأويلٍ وإصلاحٍ فقهيّ، لا حُكمًا قرآنيًّا لازمًا ثابتًا.

(ملاحظة: اسم امرأة ثابت بن قيس مختلَفٌ فيه في المصادر — جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ أو حبيبة بنت سهل؛ ولا قطع في اسمٍ واحد.)

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة