← الدعوى والدليل

هل «آية السيف» (٩:٥) أمرٌ بالقتل خالدٌ فوق الزمان؟

السؤال/الدعوى: «تقول التوبة ٩:٥ بوضوح: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾. وتُسمّى «آية السيف»؛ وبحسب بعض الروايات نسخت أكثر من ١٠٠ آيةٍ في السلم والتسامح. فمع هذه الشدّة اللفظية يكتفي العلماء بـ«تليينها بالتأويل»؛ والحكم الحقيقي هو: اقتل كل مشركٍ في كل مكان.»

السياق: ماذا تقول سورة التوبة؟

تُفتَتح سورة التوبة كأنها إعلان حالة حرب، و٩:٥ حلقةٌ في هذه السلسلة:

  • ٩:١-٢: يُمنَح المشركون الناقضون للعهد من طرفٍ واحد مهلة أربعة أشهر.
  • ٩:٤: ويُستثنى المشركون الذين وفّوا بعهدهم ولم يظاهروا عليكم أحدًا؛ فيُؤمَر بإتمام عهدهم "إلى مدّتهم".
  • ٩:٥: فبحسب القراءة السياقية يأتي الأمر بالقتال فقط بعد انقضاء تلك المدّة وفي سياق حربٍ فعلية مع الطرف الناقض للعهد. وخاتمة الآية تقيّده: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة "فخلّوا سبيلهم".
  • ٩:٦: وبعدها مباشرةً: حتى المشرك المحارب إن استجار (طلب الأمان) فأجِره حتى يسمع كلام الله، ثم "أبلغه مأمنه".
  • ٩:٧: ثم يُذكَّر بشرط الوفاء بالعهد من جديد.

قراءتان: كلاسيكية وحديثة

التفسير الكلاسيكي — تياران. قرأ التراثُ الآيةَ في اتجاهين مختلفين (تأويل):

  • تيار النسخ: وسّع بعض الأصوليين معناها وزعموا أنها نسخت كثيرًا من آيات السلم؛ وفي بعض الروايات يُقال إنها نسخت أكثر من ١٠٠ آية (عدَّها ابن حزم ١١٤ آية، وفي نقلٍ آخر ~١٢٤)؛ فالعدد يختلف. وفي روايةٍ عن ابن عباس (عند الضحّاك والعوفي) أنها رفعت العهود مع المشركين. وهذا التيار، الذي برز خصوصًا في عصر الفتوح اللاحق، رأيٌ لا إجماع.
  • التيار السياقي (قويٌّ وحاضرٌ بقوّة): يقصر أئمةٌ مثل الطبري والرازي والزمخشري والبيضاوي والنسفي الآيةَ على الطرف الناقض للعهد المحارِب من مشركي مكة، ويؤكّدون الاستثناء في ٩:٤ و٩:٧. ويرفض الرازي القولَ بنسخها ويقرؤها قراءةً مشروطة؛ ويجعل كثيرٌ من المفسّرين (وفي العصر الحديث محمد سعيد رمضان البوطي) الآيةَ التالية مباشرةً ٩:٦ (الأمان) دليلًا لفظيًّا على أنّ القتل ليس مطلقًا ولا بلا قيد. ويستنبط جمهور الفقهاء مؤسسات الأمان/الذمّة/المعاهدة (ومنها وضع الذمّي بالجزية في ٩:٢٩) من هذه الآيات.

القراءة الحديثة / المتمحورة حول القرآن. يرفض خطّ محمد أوكويان (kuranokuyan.com) نظرية النسخ في معظمها، ويقرأ الآية في سياقها القريب وحده: فـ٩:٥ ليست أمرًا عامًّا خالدًا بـ«قتل كل المشركين في كل مكان» بل حكمٌ تاريخي-قانوني موجّهٌ إلى جماعة عدوّة ناقضة للعهد (تأويل). وتدمج هذه القراءةُ الآيةَ بمبادئ القرآن العامة في الحرب: فالقتال مشروعٌ فقط دفعًا للعدوان، ﴿ولا تعتدوا﴾ (٢:١٩٠)؛ فإن كفّ العدوّ انتهت العداوة (٢:١٩٢-١٩٣)؛ ﴿لا إكراه في الدين﴾ (٢:٢٥٦)؛ ولا ينهى الله — بل يحبّ — البرّ والقسط لِمن لم يقاتلوكم (٦٠:٨). ويقرأ الخطُّ نفسه جزية ٩:٢٩ باعتبارها وضعَ تعايشٍ/خضوع، لا أمرًا بالإبادة (تأويل).

حدٌّ أمين

ينبغي الاعتراف بصدقٍ بـوجه الحقّ في الاعتراض:

  • اللفظ شديدٌ حقًّا. فإذا اقتُطعت الآية من سياقها أمكن أن تُقرأ أمرًا مطلقًا بالقتل؛ فليس اتّهام «التليين بالتأويل» فارغًا بالكلّية.
  • تيار النسخ موجودٌ فعلًا في التراث. فقد وجد قولُ «آية السيف تنسخ كثيرًا من آيات السلم» مكانًا في تفاسير معتبرة، واستُعمِل عبر التاريخ لتوسيع الجهاد؛ فالقول إنه «تحريفٌ محض» ناقصٌ تاريخيًّا. ومع قراءة ٩:٢٩ (القتال حتى الجزية) قد يبحث تأويلٌ توسّعي عن سندٍ نصّي.

لكن يجب الفصل بين النص والتأويل:

  • اسمُ «آية السيف» ودعوى النسخ الواسع لا يردان في لفظ الآية؛ بل هما اسمٌ وقراءةٌ جاء بهما علماءُ لاحقون (تأويل). كما أنّ عدد الآيات المنسوخة المزعوم يتغيّر في المصادر (١١٤ أو ~١٢٤)؛ فلا رقم ثابتٌ واحد.
  • والقراءة السياقية-الدفاعية قويةٌ ومتّسقة داخل النص (يسندها ٩:٤ و٩:٦ و٩:٧ مع ٢:١٩٠ و٢:١٩٢ و٦٠:٨). لكنّ تقديمها بوصفها «المعنى الوحيد الممكن» يُخفي تنوّع التأويل التاريخي (تأويل).
  • وفي المقابل، قراءةُ الآية مجرّدَ «اقتل كل مشرك» مع تجاهل أمان ٩:٦ واستثناء ٩:٤ و٩:٧ وشرط التوبة/الخضوع في خاتمتها، تناقض بنيةَ الآية نفسها.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة