كثيرًا ما نمرّ بالفقير عند بابنا، واليتيم إلى جوارنا، والجار الذي يشاركنا الجدار، دون أن نراهم حقًّا. غير أنّ القرآن لا يقيس الإيمان بما في القلب وحده، بل بما تمتدّ إليه اليد أيضًا. ما هو الخير؟ ولمن نحن مدينون؟ وأين ينتهي حدّ ضميرنا؟ هذه الأسئلة تدعونا إلى دعوة دافئة أكثر منها قاعدة باردة.
ماذا يقول القرآن؟
لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ... (2:177)
۞ وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (4:36)
أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (107:1)
فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ (90:11)
ماذا نتعلّم؟
(ما يلي معنًى/تأويل مستفاد من الآيات، وليس مطابقًا للنصّ نفسه.)
الآية 2:177 ترفض اختزال التقوى في التوجّه إلى جهة: فالبِرّ الحقيقيّ يتضمّن، مع الإيمان، الإنفاق من المال المحبوب على المحتاج. واللافت أنّ اليتيم والمسكين وابن السبيل يُذكَرون في سياق واحد مع الصلاة والزكاة؛ فالمسؤولية الاجتماعية لا تقف بجانب العبادة بل في صميمها.
أمّا 4:36 فتوسّع دوائر الإحسان: الوالدان، والأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار القريب والجار البعيد، والصاحب، وابن السبيل. والنصّ يميّز بين الجار "القريب" و"البعيد"؛ أي أنّ دائرة الخير لا تنحصر في صلة الدم.
والآيتان 107:1 و90:11 تطرحان سؤالًا وصورة: يُربَط بين تكذيب الدين/يوم الحساب وغياب الضمير، ويُذكَر عدم الإقدام على "الطريق الصعب" بوصفه نقصًا. وهاتان الآيتان تفتحان الباب (تأويلًا) لقراءة الضمير الاجتماعي علامةً على الإيمان.
قراءات مختلفة
- قراءةٌ ترى "الإنفاق" في هذه الآيات تحريضًا أخلاقيًّا (نصيحة/فضيلة).
- وقراءةٌ أخرى، انطلاقًا من إلزاميّة الزكاة والإنفاق، تعدّه التزامًا مؤسَّسيًّا/قانونيًّا. وكلتا القراءتين تستند إلى النصّ؛ أمّا مقدار ما هو "واجب" فمسألة فقهية تختلف في تفاصيلها بين المذاهب.
حدٌّ أمين
- القطعيّ على مستوى النصّ: الآية 2:177 تربط البِرّ، مع الإيمان، بالإعطاء للمحتاج؛ والآية 4:36 تذكر صراحةً الجار القريب والبعيد واليتيم والمسكين وابن السبيل. هذا واضح في نصّ الآية.
- المختلَف فيه على مستوى التأويل: من المقصود تحديدًا في 107:1، وما الذي تشمله "العقبة" في 90:11؛ ولمّا كانت الآيات التالية لهذين المقطعين غير واردة في هذا البنك، فإنّنا لا ننقل مضمونها هنا حكمًا قاطعًا. كذلك سؤال "كم من الخير واجبٌ وكم منه فضيلة" ينتمي إلى مجال التأويل/الفقه.
- أمّا مقدار العطاء وشكله ونظامه المؤسَّسيّ فمصدره غالبًا الحديث والفقه؛ فالنصّ القرآنيّ يضع المبدأ لا التفصيل.
الخلاصة: يبدو أنّ القرآن يطلب الإيمان لا على اللسان وحده، بل عند باب الجار، وإلى جانب اليتيم، وعلى مائدة المسكين. وليس هذا اتّهامًا بل دعوة: مُدّ يدك، ووسِّع دائرتك، واقتحم "العقبة". ولعلّ أجمل العبادة في إحسانٍ لا يراه أحد.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.