إنه من أصدق أسئلة الإنسان: "إن كان الله رحيمًا، فلماذا يوجد الألم والفقد والمشقّة؟" هذا السؤال ليس اتهامًا؛ بل هو في الغالب صرخةٌ صادقةٌ من قلبٍ مجروح. والقرآن لا يستهين بهذه الصرخة، بل يجيب عنها بأن يقدّم إطارًا للمعنى. فلننظر إلى هذا الإطار معًا.
ماذا يقول القرآن؟
الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيّكم أحسن عملًا، وهو العزيز الغفور. (67:2)
ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشّر الصابرين! (2:155)
أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون! (29:2)
فإنّ مع العُسر يُسرًا. (94:5)
ماذا نتعلّم؟
حين تجتمع هذه الآيات ترسم صورةً متّسقة (تأويل):
- الحياةُ نفسها ليست عبثًا، بل تُصوَّر بوصفها ميدانَ ابتلاء؛ والمعيار هو "أحسن عملًا" (67:2).
- الآلامُ كالخوف والجوع والفقد ليست تهديداتٍ مبهمة، بل تُسمّى صورًا ملموسةً للابتلاء، يعقبها مباشرةً بشارةٌ للصابرين (2:155).
- الإيمانُ ليس جملةً تُقال باللسان فحسب؛ بل حقيقةٌ تُختبَر بالعيش (29:2).
- المشقّةُ ليست الكلمةَ الأخيرة؛ فمع كلّ عُسرٍ وعدٌ بيُسر (94:5).
والمعنى الذي يبرز (تأويل): الألمُ كثيرًا ما يكون أرضًا للنضج، ولإدراك المسؤولية، وللقدرة على الرحمة بالآخرين.
الكلمة المفتاح / الجذر
التعبيران "ليبلوكم" (67:2) و"لنبلونّكم" (2:155) متصلان بالجذر ب-ل-و، ويحملان معنى "الاختبار والابتلاء". أما "يُفتنون" (29:2) فمن الجذر ف-ت-ن، ويستحضر معنى "الاختبار والتصفية بالنار". وهذه الملاحظة الجذرية تستند إلى لغة النصّ ذاته؛ وما وراءها فهو في مستوى التأويل.
قراءات مختلفة
حول "لماذا" الألم، يمكن الجمعُ بين عدّة تأكيداتٍ تبقى ضمن حدود النصّ (تأويل):
- قراءة الابتلاء/التكوين: المشقّةُ ابتلاءٌ يدعو الإنسان إلى حُسن العمل والصبر (67:2؛ 2:155).
- قراءة الصدق: الابتلاءُ يميّز الإيمان المنطوق عن الإيمان المُعاش (29:2).
- قراءة الرجاء: مع المشقّة يُسرٌ دائمًا؛ والألمُ ليس دائمًا (94:5). وهذه القراءات لا يُقصي بعضُها بعضًا؛ بل هي وجوهٌ مختلفة للإطار نفسه.
الحدّ الأمين
على مستوى النصّ، من المؤكّد أن القرآن يصف الحياة بأنها ابتلاء (67:2)، ويُصرّح بالاختبار بالمشقّة (2:155)، ويرفض فكرة التُّرك دون ابتلاء (29:2)، ويضع العُسر واليُسر جنبًا إلى جنب (94:5). أما سؤال "أيّ حكمةٍ بالضبط يخدمها كلُّ ألمٍ فرديّ" فهو في مستوى التأويل؛ ويُبحث في الفلسفة تحت عنوان "مشكلة الشرّ"، والنصّ القرآني لا يقدّم تبريرًا تفصيليًّا لكلّ ألمٍ على حدة.
الخلاصة: القرآن لا يتجاهل الألم ولا يتركه بلا معنى، بل يؤطّره جزءًا من ابتلاء، ويضع إلى جانبه الصبرَ والبشارةَ واليُسر. فإن كنتَ الآن في قلب مشقّة، فهذه الآيات تقول لك: "لستَ وحدك، وهذه ليست الكلمة الأخيرة". ولعلّ هذه السطور دعوةٌ دافئةٌ لتفتح قلبك له.
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.