السؤال/الدعوى: «في القرآن جُعل حقّ الطلاق للرجل تقريبًا بالكامل: ففي ٦٥:١ الخطابُ للرجل «إذا طلّقتم النساء». يقول الرجل «ثلاثًا» فيُخرج زوجته في مجلسٍ واحد وتعسّفًا؛ بل ثَمّة أحكامٌ ثقيلةٌ على المرأة كـالتحليل (نكاح المحلِّل) في ٢:٢٣٠ (أن تنكح زوجًا غيره ثم تُفارقه). أليس هذا طلاقًا تعسّفيًّا سهلًا؟»
السياق
إذا قُرئت آياتُ الطلاق مبعثرةً بدا انفرادٌ للرجل؛ لكن إذا رُتّبت تباعًا أقام النصّ مسارًا:
- ٢:٢٢٩ يقرّر أنّ الطلاق «مرّتان» (الطلاقُ مرّتان)، ثم مبدأ «فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان»، ويحرّم استرداد ما أُعطي من المهر.
- ٦٥:١ يأمر أن يكون الطلاق ضمن عِدّة، ويحرّم إخراج المرأة من بيتها وخروجها هي من تلقاء نفسها.
- ٦٥:٢ يقول مجدّدًا «فأمسكوهنّ بمعروفٍ أو فارقوهنّ بمعروف»، ويضيف الأمر: «وأشهدوا ذوَي عدلٍ منكم».
- ٤:٣٥ عند خوف الشقاق: «فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها».
- ٢:٢٢٨ يقرّر أنّ للمرأة من الحقوق مثلَ الذي عليها بالمعروف (ولهنّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف).
قراءتان
الفقه الكلاسيكي (دائرة المعارف الإسلامية التركية، «طلاق»). حقّ الطلاق للرجل أساسًا. ويُميَّز بين صورتين: الطلاق السُّنّي (تطليقةٌ واحدة في طُهرٍ بلا جماع) مقبول؛ والطلاق البدعيّ (في الحيض، أو جمع الثلاث في مجلس) يُعدّ إثمًا لكنّه صحيحٌ حُكمًا. والمذاهب الأربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) تَعُدّ غالبًا «الثلاث في مجلس» ثلاثًا؛ وفي الحنفي يُحرّم ذلك المرأةَ على زوجها ولا رجوع إلا بعد حال ٢:٢٣٠ (التحليل) (تأويل). وأمّا شاهدا ٦٥:٢ فيرى الجمهور أنّهما مندوبان لا واجبان؛ وبمقابله فإنّ ما نُسب إلى ابن عبّاس وعليٍّ، وفقهَ الشيعة (الجعفري)، يعُدّ الطلاق بلا شهودٍ باطلًا (تأويل). ومن داخل التراث الكلاسيكي خالف ابن تيمية وابن القيّم الجمهورَ، فرأيا أنّ الثلاث في مجلسٍ واحد تُعدّ واحدة (تأويل).
القراءة القرآنية‑المركز / الأكاديمية (محمد أوكويان؛ وقف السليمانية؛ خالد ظهير). إذا قُرئت الآيات جُملةً كان «الطلاق التعسّفيّ الباتّ في مجلسٍ واحد» مخالفًا للنصّ (تأويل). يرى أوكويان (في تفسير الطلاق ٦٥:٢) أنّ الطلاق ليس عملًا تعسّفيًّا بل تضبطه العِدّة؛ ويقرأ أمرَ الشاهدين العدلين في ٦٥:٢ دليلًا على أنّ الطلاق إجراءٌ حقوقيّ. ويبرز هذا الخطّ: أنّ ٢:٢٢٩ يجعل الطلاق متدرّجًا/رجعيًّا لا يُستنفَد بنفَسٍ واحد؛ والعِدّة (٦٥:١) تمنع اختلاط النسب وتترك بابًا للصلح؛ و٤:٣٥ يطلب حَكَمَين من الأهل قبل القرار فيكبح القرار الفجائيّ الأحاديّ؛ و٢:٢٣١ يعُدّ الإمساك «ضِرارًا لتعتدوا» ظلمًا؛ و٢:٢٣٢ يحرّم منعَ المطلّقة التي بلغت أجلها من أن تنكح. وفي الأدبيّات الأكاديمية (New Age Islam؛ د. خالد ظهير) يُدفَع بأنّ «الثلاث في مجلس» ممارسةٌ متأخّرة مخالفة للأصل القرآني (تأويل).
حدٌّ أمين
الجانب المحقّ من الاعتراض: أنّ ظاهر النصّ يجعل مبادرة الطلاق للرجل غالبًا (٦٥:١ خطابُه للرجل)، وأنّ في ٢:٢٢٩-٢٣٠ أحكامًا ثقيلةً على المرأة كالتحليل. بل إنّ عدّ الفقه الكلاسيكي للطلاق البدعيّ «إثمًا لكنّه صحيح» فتح عمليًّا بابًا لطلاقٍ فجائيٍّ أحاديّ — فثَمّة توتّرٌ حقيقيّ بين المسار الذي يُمثّله النصّ وبعض المخرجات الفقهية الكلاسيكية (تأويل). وبهذا فالاعتراض مصيبٌ جزئيًّا في شأن الممارسة.
وأمّا الحدّ: فإنّ النصّ نفسه يُقيم آليات تكبح التعسّف — العِدّة (٦٥:١)، والشاهدان العدلان (٦٥:٢)، وحَكَما الأهل (٤:٣٥)، وشرط المعروف/الإحسان في كل مرحلة (٢:٢٢٩، ٢:٢٣١)، وتحريم غصب الحقّ (٢:٢٢٩، ٢:٢٣١). و٢:٢٢٨ يقرّر أنّ الحقوق متقابلة؛ وخاتمة ٢:٢٢٩ والخُلع يمنحان المرأة مخرجًا أيضًا (الطلاق والفراق العادل). القطعيّ في النصّ: أنّ المعروف والعِدّة والإشهاد والتحكيم وتحريم الضرار مأمورٌ بها في المسار كلّه. المتنازَع فيه تأويلًا: أواجبٌ الإشهاد أم مندوب، وأمُلزِمٌ التحكيم أم توصية، وهل الطلاق بلا شهودٍ باطل — والآيات لا تتضمّن حكم عقوبةٍ (بطلان) صريحًا؛ فهذه قراءةٌ فقهية (تأويل). كما أنّ ما نُسب إلى عليٍّ وابن عبّاس («لا طلاق بلا شهود») يستند إلى مصادر ثانوية. فمقصد الاعتراض الحقيقيّ ليس «الطلاق الذي نظّمه القرآن» بل الممارسة الثقافية/الحقوقية التي أُهمل فيها ذلك التنظيم (تأويل).
مقالات ذات صلة
- الطلاق والفراق العادل
- المرأة و٤:٣٤: آية «الضرب»؟
- هل شهادة المرأة نصف؟ (٢:٢٨٢)
- كيف ينبغي أن يكون الزواج؟ — النكاح في القرآن
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.