← الدعوى والدليل

الجنّ والشيطان: حقيقةٌ أم مجاز؟

السؤال/الدعوى: "أليس القرآن، بحديثه عن الجنّ والشيطان، يُقرّ في الحقيقة خرافاتِ العامّة: المسّ والتمائم وتجارة فكّ السحر؟ هذه في نظر الإنسان الحديث أساطير؛ وإذا أخذها كتابٌ مأخذَ الجدّ فمصداقيّته موضع تساؤل."

الاعتراض في أقوى صوره: فكرة كائناتٍ غير مرئيّة مخلوقةٍ من نار تبدو كأنها الغطاء الدينيّ لسوقٍ استغلاليّة (المشعوذون، التمائم، فكّ السحر). فإمّا أن النصّ يُغذّي هذه الخرافة، وإمّا أن يُقرأ قراءةً أخرى.

السياق

يَعُدّ التفسير الكلاسيكيّ وعلم الكلام الجنَّ كائناتٍ حقيقيّة غير مرئيّة، ذات عقلٍ وتكليف، نوعًا مستقلًّا. الأدلّة: الجنّ خُلقوا من "مَارِجٍ مِن نَّار" (55:15)؛ وإبليس "كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ" فعصى أمر ربّه (18:50)؛ ونفرٌ من الجنّ سمعوا القرآن فقالوا "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا" (72:1). ووفق مادّة "الجنّ" في موسوعة الإسلام (TDV) فإنّ وجودهم ثابتٌ بالقرآن، وإنكاره يُعَدّ في الكلام التقليديّ كفرًا (وهذا التوصيف حكمٌ كلاميّ — تأويل). أمّا ماهيّتهم فمحلّ خلاف: فالأشعريّ والباقلّانيّ يريانهم أجسامًا لطيفة، والغزاليّ كائناتٍ غير مادّية، والمعتزلة أجسامًا بسيطة. ويَنقل القرطبيّ أنّ بعض المعتزلة أنكروا لا وجودَ الجنّ بل تسلّطهم وأثرهم في العالَم. وبإيجازٍ يضع الخطّ الكلاسيكيّ إبليسَ كائنًا حقيقيًّا من داخل هذا الجنس (18:50)، لكنه يحصر قدرته في مجرّد الوسوسة.

قراءتان

القراءة الكلاسيكيّة: الجنّ خلقٌ حقيقيّ غير مرئيّ يعيش في عالَمه؛ وظاهر الآيات (55:15، 18:50، 72:1) يقول ذلك. ومع هذا لا تمنح هذه القراءة الشيطانَ سلطانًا قاهرًا.

القراءة القرآنيّة المركزيّة/الأكاديميّة: تبدأ من الكلمة. جذر "جنّ" (ج-ن-ن) معناه "السَّتْر والإخفاء"؛ ودلالته المعجميّة "الخفيّ، المستور، المجهول، الغريب" (تأويل). يقرأ بعض الأكاديميّين النفرَ في 72:1 جماعةً من الغرباء لم يعرفهم القوم من قبل؛ لكنهم ينبّهون إلى أنّ حصر المعنى في هذا تضييقٌ للنصّ (تأويل). وأوّل مُحدثو خطّ محمد عبده ورشيد رضا الجنَّ ميكروباتٍ أو كائناتٍ طبيعيّة لم تُكتشف بعدُ كالطاقة/الأشعّة (تأويل؛ وتصفها TDV بأنها "نظريّات بلا أساس"). أمّا خطّ محمد أوكويان فيقبل الجنَّ نوعًا مستقلًّا يعيش في نظامه الخاصّ، لكنه يرفض استغلال "المسّ" وتجارة التمائم والسحر (تأويل). والمشترك في هذا الخطّ: مركز ثقل النصّ ليس بيولوجيا الجنّ بل مسؤوليّة الإنسان. فالآية 6:112 تذكر "شَيَاطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ" وأنّ أسلوبهم الخداع بـ"زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ"؛ و114:4-6 تقول إنّ الموسوس قد يكون "مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ"؛ و14:22 ينطق الشيطانُ يوم القيامة: "مَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم".

حدٌّ أمين

ما يصيب فيه الاعتراض: على سؤال "هل يُقرّ القرآن الخرافة؟" يجيب منطق النصّ الداخليّ بالنفي. فهو يستعمل صورة الشيطان لا لنقل المسؤوليّة من الإنسان إلى الشيطان، بل لإبقائها على الإنسان. ففي 14:22 يعترف الشيطان صراحةً بأن لا سلطان له قاهرًا؛ والذنب لمن استجاب للدعوة. و6:112 تَعُدّ "شياطين الإنس" بين أهل الشرّ وتُعرّف الأسلوب بأنه تلاعب. و114:6 بقولها إنّ الموسوس قد يكون إنسانًا تنقل الظاهرة إلى مستوى نفسيّ-أخلاقيّ (تأويل). فالنصّ إذن لا يُشرعن سوق المشعوذين ولا تجارة التمائم والسحر؛ بل يدعو إلى محاسبة النفس (تأويل).

لكن يجب بيان الحدّ بأمانةٍ أيضًا: فالنصّ يقدّم الجنَّ في الوقت نفسه صنفًا مستقلًّا من الخلق صراحةً — فإبليس "مِنَ ٱلْجِنِّ" (18:50)، والجنّ خُلقوا "مِن نَّار" (55:15)، وفي سورة الجنّ يتكلّمون نفرًا مستقلًّا. لذا فإنّ ردّ الجنّ كلّيًّا إلى المجاز أو الميكروب أو "الغريب البشريّ" يُكابر ظاهر النصّ، وقد رفضه العلماء الكلاسيكيّون. ثمّ إنّ نسبة تأويل الميكروب/الطاقة إلى عالمٍ بعينه تختلف في المصادر (لم يُتحقَّق منه)؛ وقراءة 72:1 على أنهم "غرباء من نصيبين" تستند إلى رواية/تأويل، ولا ذكر في متن الآية لمكانٍ أو بشر (تأويل). والخلاصة المتوازنة: دعوى "كلّ خبرٍ عن الجنّ خرافةٌ مادّية" ودعوى "الجنّ مجازٌ محض" كلتاهما تتجاوز توازن النصّ. فالثابت هو معطى النصّ؛ وما عداه تأويل — وتشديد الآيات العمليّ ينصبّ على إرادة الإنسان ومسؤوليّته أكثر ممّا ينصبّ على طبيعة الكائن غير المرئيّ.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة