الدعوى: "الإجماع والقياس ليسا من المحدثات، بل يستندان إلى القرآن نفسه. فالآية 4:59 تجعل قرار الأمة المشترك مُلزمًا بقولها: وأولي الأمر منكم. والآية 4:115 تتوعد بالنار من يتبع غير سبيل المؤمنين، أي من يخالف الإجماع. والآية 3:110 تصف هذه الأمة بأنها خير أمة، وخير أمة لا تجتمع على خطأ. أما القياس فهو ثمرة طبيعية لأمر الآية 4:59 بردّ النزاع إلى الله والرسول: فإذا سكت النص قِسْتَ النازلة على نظيرها. فالقول بأن القرآن كافٍ إسقاطٌ لدليلين أقامهما الله."
المصطلحان: ما الإجماع وما القياس؟
(تفسير) الكلمتان ليستا من ألفاظ القرآن، بل من اصطلاح أصول الفقه، ولا يستقيم النقاش قبل تثبيت المراد بهما.
- الإجماع: اتفاق أهل النظر في عصر من العصور على حكم، مع دعوى أن هذا الاتفاق يُلزم الأجيال اللاحقة.
- القياس: نقل حكم مسألة ورد فيها نص إلى مسألة لم يرد فيها نص، لاشتراكهما في علة جامعة.
وأما ما يمكن قياسه على مستوى المفردات فهو: لا توجد في معجم ألفاظ القرآن كلمة واحدة مشتقة من الجذر ق-ي-س، وأما الجذر القريب ق-و-س فيرد مرة واحدة فقط (53:9). ويرد الجذر ج-م-ع في 129 كلمة، لكن ليس من بين صيغه القرآنية صيغة "إجماع". وفي المقابل يرد جذر المشاورة ش-و-ر في أربع كلمات (2:233، 3:159، 19:29، 42:38)، ويرد جذر ع-ق-ل في 49 كلمة.
(تفسير) وغياب اسم المنهج عن النص لا يعني مخالفته للنص؛ فقد يُستنبط منهج من النص دون أن يُسمّى فيه. لكن لما كانت الدعوى أن القرآن يؤسس هذين الأصلين، وجب النظر في الآيات المستدل بها آية آية.
ماذا يقول القرآن؟
الدليل الأول: 4:59.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ
"يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، استجيبوا لأوامر الله تعالى ولا تعصوه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق، وأطيعوا ولاة أمركم في غير معصية الله" (4:59)
ولا تنتهي الآية هنا، بل تأتي جملة المنهج بعدها:
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
"فإن اختلفتم في شيء بينكم، فأرجعوا الحكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم" (4:59)
الدليل الثاني: 4:115.
وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
"ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق المؤمنين، وما هم عليه من الحق، نتركه وما توجَّه إليه" (4:115)
الدليل الثالث: 3:110.
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
"أنتم - يا أمة محمد - خير الأمم وأنفع الناس للناس، تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حسنه شرعًا وعقلا وتنهون عن المنكر" (3:110)
ويقرر القرآن المرجع نفسه عند الاختلاف في موضع آخر:
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ
"وما اختلفتم فيه- أيها الناس- من شيء من أمور دينكم، فالحكم فيه مردُّه إلى الله في كتابه" (42:10)
وأما منهج قراءة النص فيقرره القرآن هكذا:
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا
"أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ القرآن ويتفكرون في حججه؟" (47:24)
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا
"أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر" (4:82)
وترد صيغة التدبر (باب التفعّل من ت-د-ب-ر) في أربع كلمات في القرآن: 4:82 و23:68 و38:29 و47:24، وكلها دعوة إلى إطالة النظر في هذا النص.
وأما حدّ العلم والظن فمعياران:
وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
"ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت" (17:36)
إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا
"وهو لا يغني من اليقين شيئًا" (10:36)
وأما منهج الحكم واتخاذ القرار:
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ
"ويأمركم بالقضاء بين الناس بالعدل والقسط، إذا قضيتم بينهم" (4:58)
وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ
"وإذا أرادوا أمرًا تشاوروا فيه" (42:38)
ودعوى الكفاية في النص، وحدّه الداخلي:
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ
"وقد نَزَّلْنا عليك القرآن توضيحًا لكل أمر يحتاج إلى بيان" (16:89)
وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
"ولا يعلم حقيقة معاني هذه الآيات إلا الله" (3:7)
وتحذير من اعتبار الاتفاق الموروث دليلًا بنفسه:
بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا
"لا نتبع دينكم، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا" (2:170)
ماذا نتعلم؟
(تفسير) الآية 4:59 تسمّي مرجعها بنفسها. تعدّ الآية ثلاث جهات للطاعة، لكنها عند وقوع النزاع لا تردّ الأمر إلى أولي الأمر، بل إلى الله والرسول. فمخرج النزاع في الآية هو الرجوع إلى المصدر، لا القرار المشترك لجماعة مخوّلة. وفي النص العربي يتكرر الأمر "أطيعوا" مع الله ومع الرسول، ولا يتكرر قبل "أولي الأمر"، بل يُعطف على الفعل السابق؛ وهذا يفتح قراءة تجعل طاعة أولي الأمر تابعة لا مستقلة. والآية 42:10 تقرر القاعدة نفسها.
(تفسير) الآية 4:115 تتوعد فعلًا واحدًا لا فعلين. فمشاقّة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين مرتبطان بشخص واحد في جملة واحدة. والآية لا تعرّف "سبيل المؤمنين": لا تذكر مجلسًا ولا جيلًا ولا طبقة علمية ولا آلية تصويت ولا أثرًا مُلزمًا للأجيال اللاحقة. فمعادلة "سبيل المؤمنين = الاتفاق الفقهي المُلزم لأهل النظر" تعريفٌ مبنيّ على الآية لا نصٌّ فيها.
(تفسير) الآية 3:110 وصف مشروط لا ضمان. فالأمة موصوفة بثلاثة أفعال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله؛ والخيرية معلّقة بها. والآية لا تقول إن هذه الأمة لا تخطئ، بل تذكر في السياق نفسه أن في الجماعة الممدوحة من يخرج عن الطاعة. فالتكليف شيء والعصمة عن الخطأ شيء آخر؛ والآية تقرر الأول لا الثاني.
(تفسير) الدليل المسوق للقياس يأمر بالردّ لا بالتوسيع. فقوله "فردّوه إلى الله والرسول" أمرٌ بإرجاع المسألة إلى المصدر، لا إذنٌ بتوسيع الحكم. وهذا لا يعني تحريم القياس؛ فالآية لا تذكره أصلًا. وفرقٌ بين ألّا يكون المنهج ممنوعًا وأن يكون مؤسَّسًا بالنص.
(تفسير) وفي المقابل ثمة منهج يدعو إليه القرآن صراحة. التدبر (4:82، 47:24)، وإعمال العقل، وترك اتباع ما لا علم لك به (17:36)، وعدم إقامة الظن مقام الحق (10:36)، والحكم بالعدل (4:58)، وإدارة الأمر بالشورى (42:38). وهذه ليست قائمة أدلة، بل انضباط ذهني: ارجع إلى المصدر، وأطل النظر، وتكلم عن علم، ولا تُخرِج ظنك في صورة حكم، واحكم بالعدل وشاوِر.
(تفسير) وهنا يعمل تحذير 2:170. فالآية ترد العمل الموروث لمجرد أن الآباء فعلوه، وتضع المعيار في موضع آخر: هل كان ذلك العمل قائمًا على العقل والهدى؟ وهذا لا يبطل كل اتفاق جماعي، لكنه يقول إن الاتفاق لا يصحح نفسه بنفسه؛ فالقول يصح بقوة مستنده لا بكثرة القائلين به.
قراءات مختلفة
(تفسير) قراءة أصول الفقه (الإجماع والقياس أصلان ملزمان). النص متناهٍ والوقائع غير متناهية؛ وبغير منهج منضبط للاستنباط يشرّع كل أحد بهواه. وعلى هذه القراءة فإن "أولي الأمر" في 4:59 تُقرّ جهة قرار، وجملة التنازع تستلزم إجراءً، وخاتمة الآية بلفظ "تأويلًا" تشير إلى عمل تفسيري، بينما تعلّق 4:115 عاقبة ثقيلة على مفارقة الجماعة. فالإجماع صمام أمان مؤسسي ضد التشهي، والقياس إعمال عقل منضبط ينقل مقصد النص إلى الوقائع الجديدة.
(تفسير) قراءة الاجتهاد بوصفه أداة. وفيها ليس الإجماع ولا القياس دليلًا مستقلًا، بل أداتا نظر تستمدان إلزامهما من قوة الآية التي تستندان إليها. وتحديد العلة في القياس عمل بشري ظني؛ ولما كانت 10:36 و17:36 تمنعان إقامة الظن مقام الحق، بقيت نتيجة القياس ظنية لا تُنشئ بذاتها فرضًا جديدًا ولا تحريمًا. وكذلك الإجماع تسجيلٌ لرأي عصر؛ وأما إلزامه للعصور التالية فدعوى أخرى أقوى وأثقل.
(تفسير) القراءة اللغوية. وتبقى عند الألفاظ: عدم تكرار "أطيعوا" قبل "أولي الأمر"، وترك "سبيل المؤمنين" بلا تعريف اصطلاحي في 4:115، وبناء 3:110 على "كنتم" بناءً مشروطًا. وعلى هذه القراءة لا تحمل الآيات الثلاث لغويًا المعنى الاصطلاحي الذي أُلحق بها لاحقًا.
(تفسير) القراءة التاريخية الأكاديمية. وفيها أن قائمة "الأدلة الأربعة" ليست قائمة قرآنية، بل إطار طوّره الفكر الحقوقي في قرون لاحقة. وقد عرّفت المدارس الفقهية الإجماع بسعات مختلفة جدًا، ولم تُعطِ بعضها القياس موضعًا أصلًا. وهذا الاختلاف نفسه يدل على أن القائمة لا تخرج من النص خروجًا وحيد الدلالة.
حدّ الأمانة
ما هو قطعي في النص:
- لا يرد لفظا "إجماع" و"قياس" في القرآن؛ فلا كلمة من الجذر ق-ي-س، ولا صيغة "إجماع" ضمن 129 كلمة من الجذر ج-م-ع.
- تأمر 4:59 بردّ النزاع إلى الله والرسول.
- تجعل 42:10 حكم المختلف فيه إلى الله.
- تأمر 4:58 بالعدل في القضاء، و42:38 بالشورى في الأمر، و47:24 و4:82 بإطالة التدبر، و17:36 و10:36 بالكفّ عن القول بلا علم وعن الظن.
- تصف 3:110 الأمة بثلاثة أفعال ولا تستعمل لفظ العصمة.
ما يبقى للاجتهاد:
- مدى دلالة "سبيل المؤمنين": توجّه أخلاقي أم اتفاق فقهي ملزم بالمعنى الاصطلاحي؟
- من هم "أولو الأمر" وأين تنتهي صلاحيتهم؟
- هل يجوز استنباط منهج لم يُسمَّ في النص من النص نفسه؟
- هل تحقق إجماع بعينه تاريخيًا؟ وهذا سؤال تاريخي لا نصي، ولا تحسمه آية.
وما ليست هذه المقالة: ليست فتوى فقهية، وليست دعوة إلى ردّ التراث الفقهي الذي يستعمل الإجماع والقياس، فذلك جهد فكري لاحق للقرآن يُناقَش بأدلته الخاصة، وليست كذلك دفاعًا يضع هاتين الأداتين في مرتبة القرآن نفسه.
الخلاصة: إذا قُرئت آيات الاستدلال الثلاث بتمامها ظهر الآتي: 4:59 تردّ النزاع إلى المصدر، و4:115 تتحدث عن "سبيل المؤمنين" دون أن تعرّفه، و3:110 تصف الأمة بوظيفتها. وليس في واحدة منها جملة تقول إن اتفاق أهل النظر مصدر ملزم للتشريع، ولا إن الأحكام تتوسع بقياس النازلة على نظيرها. والمنهج الذي يدعو إليه القرآن أوضح وأبسط: ارجع إلى المصدر، وتدبّر، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تجعل الظن حكمًا، واحكم بالعدل، وأدِر أمرك بالشورى. وليس معنى ذلك أن الإجماع والقياس بلا قيمة؛ معناه أنهما أداتان صنعهما الناس لفهم النص، لا دليلان أقامهما النص — والأداة تفقد دعواها حين تحلّ محل المصدر.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات القرآن (ترجمة م. أوكويان بالتركية، وتفسير الميسّر بالعربية). تُعرض مع التمييز بين النص والتفسير، وليست فتوى فقهية.