← الدعوى والدليل

هل هناك عذابٌ في القبر؟ — إشكال البرزخ

السؤال/الدعوى: «هل يتحدّث القرآن عن عذاب القبر؟ في قراءةٍ، الصورةُ الشعبية المفصَّلة لـ'عذاب القبر/حياة القبر' — سؤال منكر ونكير، ضغطة القبر، نعيم القبر — ليست نصًّا قرآنيًّا بل تراكمٌ من الحديث والثقافات السابقة. وكلمة 'برزخ' لم تَرِد في القرآن في سياق الموت/الآخرة إلا مرّة واحدة (٢٣:١٠٠)، وهي هناك ليست مكان عذاب بل حاجزٌ/سترٌ يمنع الميّت من الرجوع إلى الدنيا.»

هذا الاعتراض قويٌّ ويستحقّ الجدّية: فالقرآن فعلًا يستعمل 'برزخ' في سياق الموت/الآخرة مرّةً واحدة بمعنى 'الحاجز' (وترد الكلمة أيضًا في ٢٥:٥٣ و٥٥:٢٠ لكن للحاجز بين البحرين)، وتفاصيل الصورة الشائعة عن القبر مصدرها في الغالب الرواية (الحديث). لكنّ للطرف الآخر من النقاش نقطةً مستنِدة إلى النصّ أيضًا. فلنعرض القراءتين بالاسم.

السياق — أيّ الآيات؟

يدور النقاش حول أربع آيات:

«…ومِن ورائهم برزخٌ إلى يوم يُبعَثون.» (٢٣:١٠٠)

«النارُ يُعرَضون عليها غُدُوًّا وعَشِيًّا؛ ويوم تقوم الساعة أَدخِلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذاب.» (٤٠:٤٦)

«قالوا ربَّنا أمَتَّنا اثنتين وأحييتَنا اثنتين…» (٤٠:١١)

«(قومُ نوح) أُغرِقوا فأُدخِلوا نارًا…» (٧١:٢٥)

قراءتان

قراءة الجمهور/الكلاسيكية. يجعل الخطّ التفسيري الكلاسيكي الآيةَ ٤٠:٤٦ أوضحَ دليلٍ نصّي على عذاب البرزخ/القبر. فالرازي والشوكاني يقرآن 'العرض غُدُوًّا وعَشِيًّا' عرضَ الأرواح على مقاعدها في النار في الفترة بين الموت والقيامة (العَرْض)، أمّا 'أَدخِلوا آل فرعون أشدَّ العذاب' يوم القيامة فعذابٌ آخر أشدّ — أي في الآية عذابٌ على مرحلتين (تأويل). ويُنقَل أنّ مجاهدًا وعِكرمة ومحمد بن كعب القُرَظي جعلوا الآية دليلًا على عذاب القبر (تأويل). وتفسير ديانت التركي على النهج نفسه يقرأ 'غُدُوًّا وعَشِيًّا' تعبيرًا عن دوام العذاب وإشارةً إلى عذاب البرزخ (تأويل). وفي هذه الصورة يُتصوَّر برزخ ٢٣:١٠٠ مكانَ انتظارٍ وجزاءٍ إلى جانب كونه حاجزًا يمنع الرجوع (تأويل).

القراءة القرآنية/الأكاديمية. يُبرِز محمد أوكويان (هل عذاب القبر موجود بحسب القرآن؟) التمييزَ بين النصّ والتأويل. فعنده البرزخ في ٢٣:١٠٠ ليس مكان عذاب بل حاجزٌ/سترٌ يمنع الرجوع إلى الدنيا (نص). و'الموتتان والحياتان' في ٤٠:١١ لا تقتضي إلا حياتين — الدنيا والآخرة — والنصّ لا يسمح بحشر 'حياة قبر' مستقلّة بينهما (تأويل). و'غُدُوًّا وعَشِيًّا' في ٤٠:٤٦ مفهومٌ زمنيّ دنيوي؛ ولمّا لم يكن في الآخرة ليلٌ ونهارٌ بهذا المعنى، أمكن قراءة 'العرض' خسرانًا دنيويًّا تاريخيًّا لآل فرعون (قحط، غرق في البحر، انهيار نفسي-اجتماعي) (تأويل). وفي هذه القراءة فإنّ الصورة المفصَّلة لعذاب القبر تراكمٌ من الحديث والثقافة السابقة في الغالب (تأويل).

حدٌّ أمين

وجه صواب الاعتراض. يستعمل القرآن 'برزخ' ثلاث مرّاتٍ في المجموع وكلَّها بمعنى 'الحاجز/الستر' (٢٣:١٠٠؛ ٢٥:٥٣؛ ٥٥:٢٠)؛ وفي سياق الموت/الآخرة مرّةً واحدة فقط (٢٣:١٠٠)، ولا يعرّفه مباشرةً بأنه 'مكان عذاب'. وتفاصيلُ كسؤال منكر ونكير وضغطة القبر مصدرها الحديث لا النصّ. واعتراض أوكويان النحوي — أنّ 'غُدُوًّا وعَشِيًّا' زمنٌ دنيوي — جادٌّ أيضًا.

لكنّ بِنية النصّ نفسها تضع حدًّا. فالآية ٤٠:٤٦ تروي 'العرض غُدُوًّا وعَشِيًّا' في مقابلةٍ مع 'يوم تقوم الساعة': العرضُ صباحًا ومساءً مقابل 'أشدّ العذاب' يوم القيامة، أي في زمنين مختلفين. وهذا يُوحي — من النصّ ذاته — بأنّ العرض في مرحلةٍ سابقة للقيامة (بين الموت والبعث)، وهي مرحلةٌ تتقاطع مع برزخ ٢٣:١٠٠ (تأويل). فمِن ثمّ يمكن إسنادُ فكرة 'نوعٍ من العرض/العذاب في البرزخ' لا إلى الحديث وحده، بل إلى بِنية آيةٍ واحدة على الأقل.

القطعيّ والمتنازَع. القطعي (نصًّا): البرزخ = حاجزٌ يمنع الرجوع (٢٣:١٠٠)؛ و٤٠:٤٦ تميّز 'عرضًا' خاصًّا بآل فرعون وعذابًا أشدّ يوم القيامة. المتنازَع (تأويلًا): تعميمُ هذا العرض على كلّ الموتى بوصفه 'عذاب قبر'، وكاملُ الصورة الشعبية المفصَّلة. و٧١:٢٥ و٤٠:٤٦ ليستا قاطعتين بل مفتوحتان لقراءةٍ متعدّدة. وأمانةُ الموقف: لمفهوم البرزخ/عَرْض البرزخ أثرٌ ضئيل في القرآن، أمّا الصورة المفصَّلة لاعتقاد 'عذاب القبر' الشائع فتراكمُ تأويلٍ وروايةٍ في الغالب.

ملاحظة: دعوى أنّ قراءة ٤٠:٤٦ دليلًا على عذاب القبر هي 'إجماع العلماء'، والتحقّقُ الحرفيّ من نسبة الأقوال إلى مجاهد/عِكرمة/محمد بن كعب من المصادر الكلاسيكية (كالطبري)، لم يُثبَتا تمامًا في هذه المراجعة ويُنقَلان بتحفّظ.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة