← الدعوى والدليل

هل القصاص «العين بالعين» انتقامٌ بدائيّ؟ (٢:١٧٨–١٧٩)

السؤال/الدعوى: «أليس القصاص — 'العين بالعين، والسنّ بالسنّ، والنفس بالنفس' — قانونَ انتقامٍ بدائيّ؟ فالأخلاق الحديثة تترك القاتل لقضاء الدولة الرصين، بينما القرآن (٢:١٧٨) يمنح وليّ المقتول سلطةَ 'اقتصّ من القاتل' — أفليس هذا تكريسًا للثأر؟»

السياق

  • الآية ٢:١٧٨ تشرع القصاص (المماثلة في القتل العمد)، لكنّها فورًا تمنح وليّ المقتول ثلاثة خيارات: طلب القصاص، أو العفو مقابل الدية، أو العفو مطلقًا. وتصف الآية العفوَ والديةَ بأنهما «تخفيفٌ من ربّكم ورحمة» (٢:١٧٨).
  • والآية ٢:١٧٩ تُبيّن العلّة صراحةً: «ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب» — فالغاية ليست الانتقام بل حفظ حياة المجتمع بالردع. ويترجمها محمد أوكويان: «يا أصحاب العقول العميقة! لكم في القصاص حياة» (تأويل: القصاص هنا حقّ، والعفو والدية فضيلة؛ والعفو «تخفيفٌ مهمّ ورحمة»).
  • والآية ١٧:٣٣ إذ تمنح الوليّ سلطةً تقول: «فلا يُسرف في القتل» — فتؤكّد التناسب والحدّ في وجه الإفراط.
  • والآية ٤٢:٤٠: «وجزاءُ سيّئةٍ سيّئةٌ مثلها؛ فمن عفا وأصلح فأجره على الله.» و٥:٤٥ تقول: «فمن تصدّق به فهو كفّارة له» — فيُعلى العفوُ صراحةً بوصفه الخيار الأخلاقيّ الأرقى.

قراءتان

  • الفقه/التفسير الكلاسيكي: القصاص هو الحقّ الأصل؛ والعفو/الدية رخصةٌ واستثناء فوقه. يشرح ابن كثير «لكم في القصاص حياة» بأنها ردع: فقتلُ القاتل يضمن حَقْن دماءٍ أخرى (تأويل). ويصف المفتي محمد شفيع (معارف القرآن) العفوَ والدية بأنهما «تخفيفٌ ورحمة من ربّكم». وقيدُ «الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» مختلَفٌ فيه بين الكلاسيكيين. أمّا في الجنس فالمذاهب الأربعة متّفقةٌ على أنّ الرجل يُقتَل قصاصًا بقتله المرأة — يقرؤون القيد بعموم «النفس بالنفس» (٥:٤٥) لا شرطًا للتماثل في الجنس. وأمّا في محور الحرّ/العبد والمسلم/غير المسلم، فأوسعُ الفقهاء في المساواة أبو حنيفة: فبعموم ٥:٤٥ يرى قتلَ المسلم بالذمّيّ قصاصًا (ويسقط بالدية)؛ بينما الجمهور (مالك، الشافعي، أحمد) يقصرون القصاص على المقتول الحرّ/المسلم ويوجبون الدية فيما سوى ذلك (نسبة: أقوال المذاهب).
  • القراءة القرآنية‑المركز/الأكاديمية: القصاص ليس أمرًا بالانتقام، بل سقفٌ/حدٌّ يُوضَع عليه (تأويل). فالآية ٢:١٧٩ تحدّد العلّة بأنها «حفظ الحياة»؛ والنصّ يجعل مركزَه الردعَ المانع للقتل لا حكمَ الإعدام ذاته. ويرى أمين أحسن إصلاحي أنّ معاقبة القاتل تبدو ظاهرًا كأنها إزهاقُ نفسٍ ثانية، لكنها في الحقيقة تؤمّن حياة المجتمع كلّه (تأويل). ووجهةُ النصّ على هذه القراءة صعودٌ من الفوضى (الثأر بلا حدّ) إلى التناسب ثمّ إلى العفو.

حدٌّ أمين

نعرض الجانب المحقّ من الاعتراض وحدَّه معًا.

  • الجانب المحقّ (توتّرٌ باقٍ في النصّ): قيدُ «الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى» (٢:١٧٨) يبدو أنه يُدرّج العقوبة بحسب المكانة الاجتماعية (حريّة/رقّ، جنس)؛ ويقول النقّاد إنّ هذا ينقل بنية العصر الهرمية إلى النصّ ويتوتّر مع مبدأ «تكافؤ الأنفس». وقد قبِل بعضُ الكلاسيكيين هذا التوتّر إذ رأوا أنّ هذا القيد تراجَع أمام عموم «النفس بالنفس» (٥:٤٥) (تأويل).
  • الوظيفة التاريخية: وُضِع مبدأ «العين بالعين» في بيئة ثأرٍ غير متناسب كان يُقتل فيها قبيلةٌ مقابل فرد، وكثيرون من العامّة مقابل شريف؛ فـالقصاص هنا ليس تحريضًا على الانتقام بل سقفٌ يقيّده بـ«المِثل» (تأويل). والمبدأ نفسه ورد في التوراة، و٥:٤٥ تنقله صراحةً: «وكتبنا عليهم فيها...».
  • القطعيّ في النصّ / المختلَف فيه تأويلًا: القطعيّ — أنّ النصّ يحضّ على العفو والدية (٢:١٧٨؛ ٤٢:٤٠؛ ٥:٤٥) ويأمر بالتناسب (١٧:٣٣). والمختلَف فيه — أنّ قراءة «الانتقام المحض» وقراءة «الإلغاء التامّ للإعدام» كلتيهما ليستا نتيجةَ النصّ القاطعة: فالنصّ يحضّ على العفو ولا يوجبه، ولا يُلغي حقّ القصاص. وكلتا القراءتين تخاطر بجذب النصّ إلى جهةٍ واحدة.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة