← الدعوى والدليل

لماذا القرآن بالعربية؟ عالميّةٌ أم مركزيّةٌ عربية؟

السؤال/الدعوى: "يُثني القرآن مرارًا على كونه عربيًّا ويجعله اختيارًا (١٢:٢، ٤٣:٣، ٢٦:١٩٥)، وخطابه الأول صريحٌ لـمكة ومَن حولها من العرب (٤٢:٧ 'أمّ القرى'). فلماذا ينزل كتابٌ يدّعي العالميّة بلسان قومٍ واحد ويُعلي شأن ذلك اللسان؟ أليست هذه مركزيّةً عربية وُسِّعت لاحقًا إلى دعوى عالمية؟"

السياق — النصّ فعلًا يُبرز العربية

منطلق الاعتراض صحيح: يذكر القرآن لسانه مرارًا.

"إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ." (١٢:٢)

"إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ." (٤٣:٣)

"بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ." (٢٦:١٩٥)

كما أنّ تعيُّن المخاطَب الأول واضحٌ في النص:

"…قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ (مكة) وَمَنْ حَوْلَهَا…" (٤٢:٧)

قراءتان

الخطّ التفسيري الكلاسيكي (ابن كثير، الطبري ومن تبعهما): يقرأ "قرآنًا عربيًّا" لا على أنّه تفضيلٌ للِّسان، بل على أنّه علّةُ الفهم/التعقّل. يفسّر ابن كثير ٤٢:٧ بأنّ "أوحينا إليك هذا القرآن العربي لتنذر مكة ومن حولها"، مؤكِّدًا أنّ المخاطَب الأول هو المحيط العربي. ويلخّص المودودي (تفهيم القرآن، ١٢:١-٦): "حتى الكتاب العالمي لا بدّ أن يُصاغ في لسانٍ ما؛ فأهل ذلك اللسان يفهمون أولًا ثم يحملون الرسالة لغيرهم" (تأويل). وتُتّخذ فصّلت ٤١:٤٤ دليلًا على الخطّ نفسه:

"وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ…" (٤١:٤٤)

فاختيار اللسان — في القراءة الكلاسيكية — لقطع عذر المنكِر؛ العربية وسيلة والهداية غاية، والترجمة/التفسير واجبٌ لغير العرب (تأويل).

القراءة القرآنية المركزية / الحديثة (مثل خطّ م. أوكويان): تُجيب عن "لماذا العربية؟" من مبدأ القرآن نفسه:

"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ…" (١٤:٤)

وعلى هذه القراءة لا امتياز خاصٌّ بالعربية، بل سنّةٌ إلهية عامة سارية في كل تاريخ الوحي؛ فاختيار العربية ليس "تفوّقًا عربيًّا" بل نتيجةٌ طبيعية لكون لسان المخاطَب الأول عربيًّا (تأويل). والتشديد في ١٢:٢ و٤٣:٣ بـ"لعلّكم تعقلون" يُبيّن أنّ وظيفة اللسان هي أن يُفهَم. أمّا العالميّة فتُحدَّد لا باللسان بل بـجمهور المخاطَبين:

"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا…" (٣٤:٢٨)

"…لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا…" (٢٥:١)

"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ." (٢١:١٠٧)

أي أنّ لسان النزول محلّي، والجمهور المستهدَف عالمي؛ والترجمة والتفسير حاملان لتلك العالميّة (تأويل). و"عربيٍّ مبين" في ٢٦:١٩٥ يُبرز وضوح اللسان لا دعوى تفوّقٍ لغوي (تأويل).

حدٌّ أمين

وجه صواب الاعتراض: النصّ يذكر العربية مرارًا بوصفها اختيارًا (١٢:٢، ٤٣:٣، ٢٦:١٩٥)، والخطاب الأول لمكة ومحيطها العربي بجلاء (٤٢:٧ 'أمّ القرى'؛ وكذلك ٦:١٩ 'وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ'). وتجمع القراءةُ النقدية بين ٤١:٤٤ و١٤:٤ لتقول إنّ السياق الأوّل والطبيعي للرسالة هو القوم العرب، وإنّ آيات العالميّة (٣٤:٢٨، ٢١:١٠٧) توسيعٌ لاحق (تأويل). (ملاحظة تاريخية: أكثر آيات العالميّة هذه — ٣٤:٢٨، ٢١:١٠٧، ٢٥:١ — مكيّةٌ؛ ولذا فإنّ دعوى أنّها 'وُسِّعت لاحقًا/في المدينة' محلُّ نظرٍ من جهة الترتيب الزمني أيضًا.)

المقطوع به في النص / المتنازَع فيه في التأويل: المقطوع به أنّ القرآن يجمع في آنٍ واحد بين عباراتِ اللسان المحلّي والمخاطَب المعيَّن (١٤:٤، ٤٢:٧)، وعباراتِ الهدف العالمي (٣٤:٢٨ 'كافّةً للناس'، ٢٥:١ 'للعالمين'). ولذلك فإنّ القراءة "العربية المركزية الصِّرفة" تُهمل آيات الخطاب العالمي، والقراءة "العالمية الصِّرفة" تُهمل آيات السياق المحلّي. وأيُّهما يرجَح هو ترجيحٌ تأويلي، لا قراءةٌ وحيدة يفرضها النص. والخلاصة الأمينة: محلّيّة اللسان وعالميّة الهدف قائمتان جنبًا إلى جنب في القرآن؛ وأوفى جوابٍ للنص عن "لماذا العربية؟" هو: "لأنّ المخاطَب الأول كان عربيًّا، ونزلت الرسالة بلسانهم كي تُفهَم أولًا" (تأويل).

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة