← الأدلة

الذين يقومون الليل: صورة للصالحين

حين يصف القرآن الإنسان، كثيرًا ما ينظر إلى أهدأ لحظاته وأخفاها: الليل الذي يخلو فيه بنفسه بينما ينام الجميع. في ذلك الصمت تُرسم صورة الصالحين، صورة "عباد الرحمن". يهدف هذا المقال إلى جمع تلك الآيات وقراءتها قراءة دعوة، بوصفها لوحة شوق لا قائمة أعباء.

ماذا يقول القرآن؟

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا (25:64)

أَمَّنْ هُوَ قَـٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ ٱلْـَٔاخِرَةَ وَيَرْجُوا۟ رَحْمَةَ رَبِّهِۦ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ (39:9)

كَانُوا۟ قَلِيلًا مِّنَ ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (51:17)

وَبِٱلْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (51:18)

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ (32:16)

۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءً ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (3:113)

وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُۥ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (76:26)

الكلمات المفتاحية / الجذر

تبرز في هذه الآيات هيئتان متكررتان: السجود والقيام. عبارة سُجَّدًا وَقِيَـٰمًا في الآية 25:64 تضع جذر السجود (س-ج-د) بجوار جذر القيام (ق-و-م). (تأويل:) هذا الاقتران يضع حركتي الصلاة الأساسيتين، الانحناء إلى الأرض والوقوف منتصبًا، في قلب مشهد الليل.

وكلمة بِٱلْأَسْحَارِ في الآية 51:18 تشير إلى وقت السَّحَر، آخر جزء من الليل. (تأويل:) ويُربط مشهد الاستغفار في هذه الصورة بهذا الوقت خاصة.

ماذا نتعلم؟

(تأويل:) حين نضع الآيات جنبًا إلى جنب، تظهر صورة متماسكة:

  • الهيئة: يمضي الليل في سجود وقيام (25:64؛ 39:9؛ 76:26).
  • قلة النوم: ليس كل الليل بل جزء منه يُترك فيه النوم (51:17؛ 76:26).
  • الحال الباطن: يتأرجح هذا السهر بين الخوف والرجاء، الحذر من الآخرة ورجاء الرحمة (39:9؛ 32:16).
  • السحر: في آخر الليل يبرز الاستغفار (51:18).
  • الأثر الجسدي: "تجافي الجنوب عن المضاجع" (32:16) يصوّر جهد ترك النوم بصورة حية.
  • ليس خاصًا بالمسلمين: تثني الآية 3:113 على أمة من أهل الكتاب تسجد وتتلو الآيات في الليل؛ فالصورة وصف لحال لا شارة انتماء.

قراءات مختلفة

(تأويل:) تفهم بعض القراءات "القيام بالليل" في هذه الآيات على أنه صلاة التهجد النافلة؛ وتقرؤه قراءات أخرى أوسع بوصفه حال ذكر وتلاوة ودعاء. وحين تذكر الآية 76:26 "السجود" و"التسبيح" معًا تبقى منفتحة على هذا الاتساع. ولا يرد في نص هذه الآيات عددٌ محدد من الركعات ولا وقتٌ مفروض؛ فمثل هذه التفاصيل مصدرها كتب الحديث/الفقه، ولا تُرفع هنا فوق نص القرآن.

الحد الأمين

المؤكد في نص القرآن: أن الصالحين، عباد الرحمن، يقضون جزءًا من ليلهم في سجود وقيام ودعاء، ويُوصف هذا الحال في توازن بين الخوف والرجاء (25:64؛ 39:9؛ 32:16؛ 51:17-18؛ 76:26). أما ما هو تأويل ويبقى محل نقاش: أيُّ صلاة تطابق هذه الهيئة بالضبط، ومقدارها، وحكمها. هذه الآيات تقدّم وصفًا (صورة)؛ وقراءتها بوصفها قائمة أوامر فقهية مفروضة على الجميع بالقدر نفسه تأتي من التأويل اللاحق لا من النص نفسه.

الخلاصة: هذه الصورة دعوة لا سباق. لا يتحدث القرآن هنا عن بلوغ كمٍّ معيّن، بل عن قلب يعرف كيف يخلو بربه في صمت الليل، بخوفه ورجائه وقلة نومه. ولعل أجمل بداية أن يقول المرء في ذلك الوقت الرقيق قُبيل الفجر: "اغفر لي".

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة