الحكمة في القرآن الكريم
باختصار
لا يضع القرآن تعريفًا مباشرًا لكلمة «الحكمة»، وإنما يكشف معناها من خلال مواضع استعمالها. فهي في أكثر المواضع مقترنة بـ«الكتاب» بوصفها مما يعلّمه الرسول (2:129 و2:151 و3:164 و62:2)، وهي في مواضع أخرى عطاء يؤتيه الله من يشاء (2:269 و31:12)، وهي مرة أسلوبٌ للدعوة (16:125)، ومرة اسمٌ لجملة من الأحكام الأخلاقية الموحاة (17:39). وهذا المقال يتتبّع استعمال النص نفسه، ولا يفرض على الكلمة مقابلًا واحدًا قاطعًا.
الآيات المذكورة
- 2:129 — دعاء إبراهيم: وابعث فيهم رسولًا يعلّمهم الكتاب والحكمة.
- 2:151 — الرسول المبعوث فيكم يعلّمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون.
- 2:269 — يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤتها فقد أوتي خيرًا كثيرًا.
- 3:164 — بعثة الرسول منّة: تزكية مع تعليم الكتاب والحكمة.
- 16:125 — ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.
- 17:39 — الأحكام الأخلاقية المتقدمة مما أوحاه الرب من الحكمة.
- 31:12 — لقمان أوتي الحكمة، والأمر الذي تلاها هو الشكر.
- 33:34 — تذكّر ما يُتلى في البيوت من آيات الله والحكمة.
- 62:2 — الرسول المبعوث في الأميين يعلّمهم الكتاب والحكمة.
الحكمة مقترنةً بالكتاب
أكثر السياقات ورودًا يكاد يكون صيغة ثابتة: رسول يتلو الآيات، ويزكّي الناس، ويعلّمهم «الكتاب والحكمة». وهي تَرِد أولًا طلبًا في دعاء إبراهيم:
وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
«ربنا وابعث في هذه الأمة رسولا من ذرية إسماعيل يتلو عليهم آياتك ويعلمهم القرآن والسنة، ويطهرهم من الشرك وسوء الأخلاق.» (2:129)
ثم تعود الصيغة نفسها بوصفها أمرًا واقعًا:
وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ
«أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق، ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة.» (2:151)
وتعود مرة ثالثة إعلانًا للمنّة:
لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ
«لقد أنعم الله على المؤمنين من العرب؛ إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات القرآن، ويطهرهم من الشرك والأخلاق الفاسدة، ويعلمهم القرآن والسنة.» (3:164)
ويتكرر الثلاثي نفسه في السياق المكي:
هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ
«هو الذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون رسولا منهم إلى الناس جميعًا، يقرأ عليهم القرآن، ويطهرهم من العقائد الفاسدة والأخلاق السيئة، ويعلِّمهم القرآن والسنة.» (62:2)
(تعليق) في الآيات الأربع تُعَدّ الحكمة بندًا متمايزًا عن الكتاب. وهذا التمايز يحتمل أمرين: إمّا أن تكون الحكمة محتوى آخر يقف إلى جانب الكتاب، وإمّا أن تكون الفهم الذي يبيّن كيف يُفهم الكتاب وكيف يُطبَّق. وظاهر اللفظ يحتمل الوجهين معًا، وليس في هذه الآيات ما يُسقط أحدهما. ويُلاحَظ أمر ثانٍ: الحكمة تَرِد في كل مرة في السياق نفسه الذي تَرِد فيه «التزكية»؛ فالنص لا يفصل التعليم عن التغيّر الأخلاقي.
الحكمة عطاءً
يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ
«يؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده، ومن أنعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرًا كثيرًا. وما يتذكر هذا وينتفع به إلا أصحاب العقول المستنيرة.» (2:269)
ويتكرر فعل الإيتاء نفسه في مطلع خبر لقمان:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَـٰنَ ٱلْحِكْمَةَ أَنِ ٱشْكُرْ لِلَّهِ
«ولقد أعطينا عبدًا صالحًا من عبادنا الحكمة، وقلنا له: اشكر لله نِعَمَه عليك.» (31:12)
(تعليق) الحكمة في الموضعين مُعطاة لا مُكتسَبة، والفاعل هو الله. غير أن 2:269 لا تُخلي الجانب الإنساني: فهي تختم بقصر التذكّر على «أولي الألباب»، فالعطاء والعقل متجاوران لا متقابلان. وفي 31:12 يأتي بعد العطاء أمر واحد فقط هو الشكر؛ فأول ثمرة للحكمة تُعرض بوصفها موقفًا لا رصيدًا من المعلومات. أمّا كون لقمان نبيًّا أو غير نبي فلا تقول الآية فيه شيئًا؛ كل ما تقوله أنه أوتي الحكمة.
الحكمة منهجًا
ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ
«ادعُ إلى دين ربك وطريقه المستقيم بالطريقة الحكيمة، وانصح لهم نصحًا حسنًا، وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين.» (16:125)
(تعليق) الحكمة هنا أقرب إلى الأسلوب منها إلى مخزون المعرفة؛ فهي مذكورة في سياق واحد مع الموعظة الحسنة والمجادلة بالأحسن. تذكر الآية ثلاث وسائل وتصف كل واحدة منها بوصف يقيّدها، وليس فيها إكراه. ثم تُنهي الأمر بردّ العلم بمن ضلّ ومن اهتدى إلى الله وحده؛ فمهمة الداعي ضبط الأسلوب لا صناعة النتيجة.
الحكمة مضمونًا مُوحى
بعد سلسلة من الأوامر في 17:22-38 — النهي عن الشرك، والإحسان إلى الوالدين، وإيتاء ذي القربى والمسكين، والنهي عن التبذير، والوفاء بالكيل، وعدم اتباع ما لا علم به، والنهي عن المشي في الأرض مرحًا — يقول النص:
ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰٓ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ
«ذلك الذي بيَّناه ووضَّحناه من هذه الأحكام الجليلة، من الأمر بمحاسن الأعمال، والنهي عن أراذل الأخلاق مما أوحيناه إليك أيها النبي.» (17:39)
وفي موضع آخر تُذكر الحكمة ضمن ما يُتلى في البيوت:
وَٱذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْمَةِ
«واذكرن ما يتلى في بيوتكن، واعملن به، واقدُرْنه حقَّ قَدْره، فهو من نِعَم الله عليكن.» (33:34)
(تعليق) آية 17:39 هي أقرب ما يقترب فيه النص من تعريف نفسه: إذ تجعل الحكمة اسمًا لقائمة أخلاقية محدّدة. وآية 33:34 تضع الحكمة في عداد ما «يُتلى»، وهذا يقتضي أن جزءًا منها على الأقل قابل للنقل والتكرار، لا مجرد ملكة باطنية خاصة.
ملاحظة في الجذر والكلمة
الكلمة من الجذر ح-ك-م. وفي جدول الكلمات لدى هذه المنصّة 210 كلمة معلّقة بهذا الجذر، وتوزّعها كالآتي:
| المشتق | عدد المواضع |
|---|---|
| حَكِيم | 97 |
| حَكَمَ | 45 |
| حُكْم | 30 |
| حِكْمَة | 20 |
| حاكِم | 5 |
| حَكَم | 3 |
| مشتقات أخرى | 10 |
(تعليق) يفيد الإحصاء أمرين. الأول: أن «الحكمة» ليست الاستعمال الغالب لهذا الجذر؛ فالجذر يعمل في الأغلب في حقل الحكم والحاكم. فمن قرأ الكلمة بوصفها لفظًا للغموض والعمق وحده فقد خالف ثقل جذرها. والثاني: أن اسم «الحكمة» ورد 20 مرة موزّعة على 19 آية، إذ تكرّرت الكلمة مرتين داخل الآية 2:269 وحدها؛ فهي مصطلح قليل الورود كثيف الدلالة.
وتنبيه: ليس كل موضع تُترجَم فيه الكلمة بـ«الحكمة» يكون أصله حِكْمَة. ففي 3:79 و6:89 و26:21 مثلًا تَرِد الترجمة بـ«الحكمة» مع أن هذه الآيات ليست في قائمة حِكْمَة؛ إذ يقوم فيها مشتق آخر من الجذر نفسه. أما الآيات التسع المستشهد بها هنا فالكلمة فيها جميعًا حِكْمَة.
قراءات مختلفة
(تعليق) لا يوجد مقابل واحد متّفق عليه للكلمة، وأبرز القراءات ثلاث:
1. قراءة تقوم على النقل — الحكمة هي تطبيق الرسول. فالبند الثاني في «الكتاب والحكمة» هو الممارسة النبوية الخارجة عن نص الكتاب. ومستندها أن الحكمة عُدّت بندًا مستقلًا، وأنها ذُكرت في 33:34 ضمن ما يُتلى. وقد انعكست هذه القراءة في أقواس بعض الترجمات.
2. قراءة لغوية تقوم على الجذر — الحكمة هي إصابة الحكم. فلأن الجذر ح-ك-م يعمل في حقل الحكم، تكون الحكمة القدرة على إصدار الحكم الصائب في موضعه. وتسند هذه القراءةَ الآيتان 16:125 و17:39: في الأولى منهج، وفي الثانية قائمة أحكام محدّدة.
3. قراءة تقوم على الفهم — الحكمة إدراك عميق. ويُستند فيها إلى ختام 2:269 بذكر «أولي الألباب»، وإلى اتصال الحكمة بالشكر مباشرة في 31:12؛ فتكون الحكمة حالة بصيرة وموقف لا جسمًا من المعلومات.
(تعليق) والقراءات الثلاث لا يُلغي بعضها بعضًا إلغاءً تامًّا. فمن بقي داخل النص القرآني وجد لكل قراءة آيات تستمسك بها، ولم يجد آية تُعلن واحدة منها صوابًا قاطعًا وحدها. والاعتراف بأن الكلمة تحمل أثقالًا مختلفة باختلاف السياق هو أقل المواقف عنفًا بالنص.
الحدّ الأمين
ما يقطع به النص: أن الحكمة تُذكر مع الكتاب وأنها مما يعلّمه الرسول (2:129 و2:151 و3:164 و62:2). وأنها مُعطاة والمعطي هو الله صراحةً (2:269 و31:12). وأن من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا (2:269). وأنها مأمور بها أسلوبًا للدعوة (16:125). وأنها تشمل أحكامًا أخلاقية موحاة (17:39). وأن لقمان أوتيها (31:12). وأنها معدودة فيما يُتلى في البيوت (33:34).
ما يبقى للاجتهاد: ما الذي يشير إليه تمايزها عن الكتاب على وجه التحديد. وأيّ المقابلات أولى: «تطبيق الرسول» أم «إصابة الحكم» أم «الفهم العميق». وكيف تُنال الحكمة — أبالكسب أم بالعطاء وحده؛ فالآيات تقول «تُؤتى» ولا تصف طريقًا. ومن هو لقمان وفي أي عصر عاش.
ما ليس هذا المقال: ليس مادة معجمية، ولا يُنتج حكمًا فقهيًّا، ولا يرفع قراءة فوق أخرى. ولم يُستعمل فيه إلا آيات القرآن، وإحصاء الجذر والكلمة، وترجمات المعاني.
الخلاصة: يعرض القرآن الحكمة عرضًا بدل أن يحدّها حدًّا: من أين تأتي (إيتاء الله)، ومن يعلّمها (الرسول)، وبمَ تشبه (القائمة الأخلاقية في 17:39)، وكيف تُستعمل (أسلوب الدعوة في 16:125). هذه الجهات الأربع ثابتة في النص؛ أما المقابل المفرد للكلمة فغير ثابت — والنص لا يعرض ذلك على أنه نقص.
المصدر: آيات القرآن الكريم (مع ترجمة معانيها لـ م. أوكويان) وموقع kuranokuyan.com. منهج قرآني المرجع، فوق المذاهب، موثَّق بالإحالات.