المال في قلب الحياة اليومية: نعمل ونشتري ونبيع ونكسب. لا يمرّ القرآن على هذا الأمر بصمت؛ بل على العكس، يوجّه دعوة أخلاقية واضحة جدًّا حول كيفية اكتساب المال. في هذا المقال نقرأ آيات القرآن الأساسية في أخلاق العمل دون أن نذمّ المال، بل بجعل الأمانة في المركز.
ماذا يقول القرآن؟
ينال الغشّ في الكيل والميزان واحدًا من أشدّ تحذيرات القرآن:
وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (83:1)
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (83:2)
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (83:3)
(المعنى وفق ترجمة أوكويان: ويلٌ للمطفّفين الذين يستوفون الكيل حين يأخذون من الناس، ويُنقِصون حين يكيلون أو يزنون لهم.)
وفي المقابل يُبيَّن السلوك الصحيح صراحةً:
وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا۟ بِٱلْقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (17:35)
(المعنى: أوفوا الكيل إذا كِلتم وزِنوا بميزانٍ مستقيم؛ هذا خيرٌ وأحسن عاقبةً.)
ومصدر الكسب مهمّ أيضًا. فأكل المال بالباطل، وإشراك أصحاب السلطة لتبريره، ممنوع:
وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (2:188)
(المعنى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تقدّموها إلى الحكّام رشوةً لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون.)
ومعيار الكسب المشروع هو التراضي:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (4:29)
(المعنى: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم، ولا تقتلوا أنفسكم؛ إن الله كان بكم رحيمًا.)
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) حين تجتمع هذه الآيات ترسم صورةً متماسكة:
- الكسب ليس مذمومًا. يذكر القرآن التجارة أرضيةً مشروعة (4:29)؛ فالممنوع ليس الكسب بل الكسب الظالم.
- الكيل يجب أن يكون أمينًا. استيفاء الكيل عند الأخذ وإنقاصه عند الإعطاء (83:2-3) يوصف لا كخطأ تجاريّ فحسب بل كانهيار أخلاقيّ؛ والميزان المستقيم يُسمّى "خيرًا" و"أحسن" (17:35).
- التراضي أساس. تقوم مشروعية المعاملة على رضا الطرفين الحرّ والمستنير (4:29).
- الغشّ والرشوة خارج الإطار. أكل المال بالباطل وستره بالسلطة المؤسسية مرفوضٌ صراحةً (2:188).
حدّ أمين
ما يجعله النصّ القرآنيّ قطعيًّا: الغشّ في الكيل والميزان وأكل المال بالباطل والرشوة مذمومةٌ صراحةً؛ والكيل الأمين والتراضي مَمدوحان صراحةً.
وما هو محلّ خلاف في التأويل: ليست كلّ تفاصيل "الكسب الحلال" في الحياة التجارية المعاصرة (أيّ عقد، أيّ تسعير، أيّ أداة مالية) واردةً نصًّا في القرآن. هذه نتائج مستنبَطة من مبدأي أمانة الكيل والتراضي؛ وتفاصيلها الفقهية مفتوحةٌ لقراءات مختلفة. وفي المسائل التخصصية، كحُكم أداة مالية بعينها، يقدّم هذا المقال إطارًا مبدئيًّا لا فتوى.
الخلاصة: يحاكم القرآن الغشّ لا المال. والدعوة بسيطة: أوفِ الكيل، وزِنْ بالحقّ، وتاجِرْ بالتراضي، ولا تأكل حقّ أحدٍ بالباطل. والكسب الحلال هو اسم هذه الأمانة.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.