السؤال/الدعوى: «يُدعى الناس في القرآن باستمرار إلى أن 'يفكّروا ويتفكّروا'؛ لكن لا يُقال عن الله ولو مرّة إنه 'يفكّر / يتفكّر' في نفسه. أفلا يفكّر الله البتة — أليس هذا نقصًا؟»
الملاحظة صحيحة: النصّ هكذا فعلًا
جذر "التفكّر" هو ف‑ك‑ر، ويرد في القرآن 18 مرّة، وفاعله إنسانٌ دائمًا: «أفلا يتفكّرون؟»، «لقومٍ يتفكّرون» (٣:١٩١). وحتى في الصيغة الاستثنائية الوحيدة في ٧٤:١٨ ﴿إنّه فكّر وقدّر﴾ فالفاعل إنسان. وكذلك التدبّر والتعقّل والنظر بمعنى الاستدلال، كلّها تُستعمل للمخلوق فقط. فالقرآن حقًّا لا يُسند فعل "التفكير" إلى الله قطّ. والملاحظة ليست خاطئة.
لكن هل هذا نقص؟
(تأويل) الجواب يتوقّف على معنى "التفكير". في الكلام الكلاسيكي، الفكر/التفكّر هو الاستدلال من مقدّماتٍ معلومة إلى نتيجةٍ مجهولة؛ أي إنه يفترض عدم علمٍ سابق، وعمليةً، وزمنًا. يفكّر الإنسان لأنه لا يعلم ويسعى إلى العلم — ولذلك كان التفكّر في حقّه فضيلة.
أمّا علم الله فيوصف في القرآن بأنه أزليٌّ مطلقٌ تامّ:
- مفاتح الغيب عنده، لا يعلمها إلا هو (٦:٥٩).
- وسع علمه وكرسيّه السماوات والأرض (٢:٢٥٥).
- ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم، ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم (٥٨:٧).
- هو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، ويعلم ما توسوس به نفسه (٥٠:١٦).
- «ألا يعلم من خلق؟» (٦٧:١٤).
(تأويل) وإسناد "التفكير" إلى من يعلم أزلًا وأبدًا يجعله كأنه ذاتٌ تنتقل من الجهل إلى العلم. فعدم إسناد القرآن التفكيرَ إلى الله ليس ثغرة، بل هو لازمٌ لغويٌّ لـإطلاق علمه.
تنزيه القرآن عن التشبيه
وهذا الاختيار منسجمٌ مع خطّ القرآن العامّ: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٤٢:١١). فالقرآن يُثبت لله أنه يريد (يُريد) ويحكم ويقول ويعلم — فهو فاعلٌ ذو إرادة؛ لكنه لا يُحمّله عمليات اكتساب المعرفة البشرية من "استنتاجٍ" و"تعلّمٍ وتذكّر".
قراءات مختلفة
- الكلام الكلاسيكي (الأشعري/الماتريدي): العلم صفةٌ أزليّة لله؛ أمّا التفكير (الاستدلال) فطريقةُ المخلوق في تحصيل العلم. وبمقتضى التنزيه، الله منزّهٌ عن الأفعال التي تستلزم عمليةً وزمنًا (تأويل).
- القراءة اللغوية: كلّ تصاريف جذور ف‑ك‑ر و ع‑ق‑ل و د‑ب‑ر في القرآن تأخذ الإنسان/الجماعة فاعلًا؛ وهذا نسقٌ ثابت لا مصادفة.
- التأليه الفلسفي: علم الله ليس "استدلاليًّا" (من مقدّمةٍ إلى نتيجة) بل مباشرٌ تامّ؛ ولذا يُنسب إليه "العلم المطلق" لا "الاستدلال". وهذه نتيجةٌ مشابهة في التأليه الكلاسيكي خارج الإسلام أيضًا (تأويل).
حدٌّ أمين
- القطعيّ في النصّ: القرآن يُسند "التفكّر" إلى الإنسان فقط، لا إلى الله. وهذا معطًى لغويٌّ قابلٌ للتحقّق (مدونة القرآن اللغوية).
- في حيّز التأويل: جواب "لماذا هو كذلك؟" (لا نقص بل كمال) استنتاجٌ كلاميّ — قويّ، لكنه في النهاية تأويل؛ وقد يرفض قارئٌ مختلف التأطير من أصله، وذلك نقاشٌ آخر.
- لا يُخلط: قول "الله لا يفكّر" لا يعني "لا إرادة له ولا حكم"؛ فالقرآن يُثبت له الإرادة والحكم — وإنما لا يُثبت التفكيرَ بوصفه عمليةَ اكتساب علم.
الخلاصة: الملاحظة صحيحة: القرآن لا يقول إنّ الله "يفكّر". لكن هذا ليس ضعفًا؛ بل لازمُ إطلاق العلم الإلهي ولغةِ التنزيه في القرآن. فالتفكير طريقٌ إلى العلم؛ والله عالمٌ بالإطلاق أصلًا. فالتفكّر في حقّ الإنسان فضيلة، وفي حقّ الله لا حاجة إليه — لأنه يعلم بلا نقص.
مقالات ذات صلة
- لماذا يؤكّد القرآن على "العقل" إلى هذا الحدّ؟
- هل يدلّ ضمير "نحن" في القرآن على آلهةٍ متعدّدة؟
- إن كان ثمّة قدر، فهل ثمّة إرادة حرّة؟
- مشكلة الشرّ: لماذا يسمح إلهٌ صالح بالشرّ؟
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان) + مدونة القرآن اللغوية (بيانات الجذر). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.