الدعوى/السؤال: "في القرآن طبّ. فآية النحل تقول صراحةً: 'فيه شفاء للناس' (16:69)، والكتاب يصف نفسه في مواضع أخرى بأنّه شفاء (17:82، 41:44). إذن يعرف المؤمن أين يذهب عند المرض: العسل، والشراب، والرقية، ورفّ 'الطبّ النبويّ'. وطرفا هذه الدعوى كلاهما مُشكِل. فإن كانت الآية تقرّر قضيّةً طبّيّة، فلا بدّ أن تكون قابلةً للاختبار — والعسل لا يوقف التهاب السحايا الجرثوميّ ولا يُصغِّر ورمًا؛ بل يحمل خطر التسمّم الوشيقيّ إذا أُعطي رضيعًا دون السنة. وإن لم تكن تقرّر قضيّةً طبّيّة، فلماذا لفظ 'الشفاء' موجودٌ إذن؟ وبين الطرفين ضررٌ ملموس: أناسٌ يؤخّرون الذهاب إلى الطبيب، أو يتركون العلاج، استنادًا إلى هذه الآية."
هذا الاعتراض يستحقّ جوابًا جادًّا؛ لأنّه يُحسن تشخيص الدعوى والضرر معًا. غير أنّ الاعتراض والدعوى التي يهاجمها يشتركان في افتراضٍ واحد: أنّ 16:69 وصفةٌ علاجيّة. وهذه المقالة تصنع شيئًا ثالثًا: تضع الآيات كاملةً أوّلًا، ثمّ تُحصي مواضع جذر "شفي" في القرآن كلّه، ثمّ تفصل ما هو للنصّ عمّا هو للقارئ.
ماذا يقول القرآن؟
الجملة التي يقوم عليها الاعتراض لا تقف وحدها؛ فهي مع الآية التي قبلها وصفٌ للنحلة:
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
"وألْهَمَ ربك -أيها النبي- النحل بأن اجعلي لك بيوتًا في الجبال، وفي الشجر، وفيما يبني الناس من البيوت والسُّقُف." (16:68)
ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسْلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
"ثم كُلي مِن كل ثمرة تشتهينها، فاسلكي طرق ربك مذللة لك ... يخرج من بطون النحل عسل مختلف الألوان مِن بياض وصفرة وحمرة وغير ذلك، فيه شفاء للناس من الأمراض." (16:69)
وكلّ صيغ الأمر في هاتين الآيتين — "اتّخذي" و"كُلي" و"اسلكي" — للمخاطَبة المفردة المؤنّثة، والمخاطَبة هي النحلة؛ والتحليل الصرفيّ يضبط الثلاث جميعًا "IMPV, 2FS". أي أنّه ليس في المقطع أمرٌ موجَّهٌ إلى إنسان البتّة. فالآية لا تقول للناس: كلوا العسل؛ بل تقول للنحلة: كُلي، وتقول للناس: تفكّروا.
وإذا نظرنا في مواضع لفظ "الشفاء" ازداد المشهد وضوحًا. فجذر "شفي" يرد في القرآن ستّ مرّات لا غير: 9:14، 10:57، 16:69، 17:82، 26:80، 41:44. وفي أربعةٍ من هذه الستّة ليس الموضوع بدنًا:
يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
"يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ... وفيه دواء لما في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض." (10:57)
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا
"وننزل من آيات القرآن العظيم ما يشفي القلوب مِنَ الأمراض، كالشك والنفاق والجهالة ..." (17:82)
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ
"قل لهم -أيها الرسول-: هذا القرآن للذين آمنوا بالله ورسوله هدى من الضلالة، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والأمراض ..." (41:44)
وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ
"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ... ويشفِ صدور قومٍ مؤمنين." (9:14)
وأمّا الموضع السادس فالشافي فيه ليس مادّةً بل الله مباشرةً، ويأتي في تعداد إبراهيم لما يصنعه به ربّه:
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
"وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه." (26:80)
فلم يبقَ إلّا 16:69: الموضع الوحيد الذي يُقال فيه إنّ الشفاء في داخل شيءٍ مادّيّ.
فهل لا يذكر القرآن المرض إذن؟ بل يذكره. فجذر "مرض" يرد أربعًا وعشرين مرّة؛ ثلاثة عشر منها في صيغة "في قلوبهم مرض" (2:10، 5:52، 8:49، 9:125، 22:53، 24:50، 33:12، 33:32، 33:60، 47:20، 47:29، 74:31). وأمّا الإحدى عشرة الباقية فتتكلّم عن مريضٍ بدنيّ حقًّا — وفي كلٍّ منها يكون الحكم المقرَّر لا علاجًا بل رخصةً:
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
"فمن كان منكم مريضًا يشق عليه الصوم، أو مسافرًا فله أن يفطر، وعليه صيام عدد من أيام أُخَر بقدر التي أفطر فيها." (2:184)
وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ
"ليس على أصحاب الأعذار من العُمْيان وذوي العرج والمرضى إثم في ترك الأمور الواجبة التي لا يقدرون على القيام بها." (24:61)
ويتكرّر النمط نفسه في 2:185 و2:196 و4:43 و5:6 و9:91 و48:17 و73:20: يؤجَّل الصوم، ويصير الوضوء تيمّمًا، ويسقط وجوب النفير، ويُخفَّف قيام الليل. فالقرآن لا يسقي المريض شيئًا؛ بل يرفع عنه حِملًا.
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) النحوُ وحده يكسر ظهر الدعوى. فإذا كان نصٌّ يصف لك علاجًا فأنت مخاطَبُ ذلك الأمر. وفي 16:68-69 المخاطَبة هي النحلة. أمّا الفعل الذي يقع على الناس فهو في خاتمة الآية: "يتفكّرون". فالآية ليست رفّ صيدليّة، بل دعوةٌ إلى النظر.
(تأويل) والتركيب جزئيٌّ لا مطلق. فـ"شفاء" نكرة: "شفاءٌ ما"، لا "الشفاء". وليس بجانبها قيدٌ مثل "من كلّ داء"؛ بل قيلَ "للناس" فقط. والخبر ليس "يَشفي" بل "فيه شفاء". وأن يكون في الشيء نفعٌ غيرُ أن يكون الشيءُ دواءً.
(تأويل) والسياق يشير إلى الوجهة نفسها. فهذا المقطع من سورة النحل تعدادٌ للنِّعم من أوّله إلى آخره: الأنعام، واللبن، والثمرات، والعنب، والنحل، والأزواج، والبنون. فالعسل مادّةٌ في هذا التعداد، وغاية التعداد ليست تعليم الطبّ بل إحصاء ما أُعطيتَه. وقوله "لآيةً لقومٍ يتفكّرون" هو تعليمات الاستعمال التي تضعها الآية لنفسها: المأخوذ من هنا نظرةٌ لا جرعة.
(تأويل) والأهمّ أنّ معجم الكتاب نفسه يربط "الشفاء" في الغالب بـالباطن. ففي 10:57 الشفاء "لما في الصدور"؛ وفي 17:82 و41:44 الشافي هو القرآن نفسه، والذي يقابله ليس مرضًا بل خسارًا ووقرًا وعمًى. فالنصّ حين يقول "شفاء" يتكلّم غالبًا عن مرض القلب: الشكّ والنفاق والجهل.
(تأويل) و26:80 تفصل بين الفاعل والسبب. فإبراهيم لا يقول "الأدوية تشفيني" بل "وإذا مرضت فهو يشفين". غير أنّ الجملة التي قبلها مباشرةً "والذي هو يطعمني ويسقين" (26:79) — ولا أحد يستنتج منها أن نمتنع عن الطعام. فردُّ الرزق إلى الله ليس رفضًا للخبز؛ وردُّ الشفاء إليه ليس رفضًا للطبيب.
قراءاتٌ مختلفة
(تأويل) القراءة اللغويّة. الفيصل هو التنكير وحرف "في": فالآية تقول إنّ في العسل شفاءً، لا إنّ العسل هو الشفاء. وهذه أقرب القراءات إلى اللفظ؛ وحدُّها أنّها قد تُخفِّف أكثر ممّا ينبغي ثقلَ كلمة "شفاء".
(تأويل) القراءة التقليديّة. تُخبر الآية بأنّ في العسل نفعًا حقيقيًّا؛ وهذا إخبارٌ بنعمة، وهو صحيح. وقوّتها أنّها لا تُفرِغ الآية. وحدُّها: أنّ "في العسل نفعًا" لا يُنتج "تداوَ بالعسل ودعِ الطبيب" — والثانية ليست في النصّ.
(تأويل) القراءة الأكاديميّة/التاريخيّة. تشير الآية إلى مادّةٍ يعرفها مخاطَبها سلفًا؛ وكون العسل من أدوية ذلك العالم المعروفة هو مصدر قوّتها البلاغيّة — فليس المُخبَر به مجهولًا، بل المعروض هو النظام الكامن خلف معلوم. وحدُّها: أنّها تُفسِّر السياق جيّدًا لكنّها لا تستوفي وحدها سببَ اختيار لفظ "الشفاء".
(تأويل) قراءة "القرآن كتاب طبّ". لا تجد في النصّ موطئ قدم. فليس في القرآن اسمُ مرضٍ واحد، ولا جرعةٌ واحدة، ولا كيفيّةُ تناولٍ واحدة، ولا مدّةُ علاجٍ واحدة. والكتاب لا يكون كتابَ طبٍّ حتّى يملك واحدةً من هذه على الأقلّ.
الحدّ الأمين
ما هو مقطوعٌ به في النصّ: أنّ أوامر 16:68-69 موجَّهةٌ إلى النحلة؛ وأنّ الآية تقول "فيه شفاء للناس" وتُختم بـ"لآيةً لقومٍ يتفكّرون". وأنّ جذر "شفي" يرد ستّ مرّات (9:14، 10:57، 16:69، 17:82، 26:80، 41:44)؛ في اثنتين منها الشافي هو القرآن، وفي اثنتين الشفاء لما في الصدور، وفي واحدةٍ الفاعل هو الله. وأنّ جذر "مرض" يرد أربعًا وعشرين مرّة، وأنّ الحكم حيثما أُريد المرض البدنيّ رخصةٌ أو تخفيف.
ما يبقى للتأويل: مدى "شفاء للناس" — أيّ العلل، وإلى أيّ حدّ. وهل تُخبر الآية بواقعةٍ عن العسل أم تَعُدُّ نعمة. وهل "الشفاء" بدنيٌّ في 16:69 ومعنويٌّ في غيرها. ولا شيء من ذلك يُغلقه اللفظ.
ما ليست هذه المقالة: ليست دعوى أنّ العسل لا نفع فيه — فذاك شأن الطبّ، لا شأن القرآن ولا شأن هذه الصفحة. وليست تهرّبًا بالقول "الآية ليست في العسل أصلًا"؛ فالآية تتكلّم عن العسل.
وممّا يجب أن يُقال صراحةً: أنّ القرآن ليس مصدرًا للعلاج الطبّيّ. فالواجب عند المرض مراجعة الطبيب؛ والتشخيص والدواء وخطّة العلاج من شأن الطبّ. وترك العلاج استنادًا إلى آيةٍ هو تحميلُ الآية ما لم تقله — والثمن يدفعه إنسانٌ لا نصّ. وكلّ ما يضعه القرآن على المريض هو تخفيف حمله؛ وإن كلّفه شيئًا فألّا يُلقي بنفسه إلى التهلكة.
الخلاصة: 16:69 ليست وصفةً بل إعلان نعمة. مخاطَبُ الجملة نحلة، والفعل الذي يقع على الإنسان هو التفكّر. ويستعمل القرآن لفظ "الشفاء" ستّ مرّات فيربطه في الأغلب بما في الصدور، وبمرض القلب، وبالكتاب نفسه؛ وإذا حضر المرض كتب رخصةً لا وصفة. فاستخراج منظومةٍ طبّيّةٍ من هذا النصّ، وإدانةُ هذا النصّ بخطأٍ طبّيّ، وجهان لخطأٍ واحد: كلاهما يُحمِّل الآية جوابَ سؤالٍ لم يُطرح عليها.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات القرآن الكريم (بترجمة م. أوكويان بالتركيّة، والتفسير الميسّر بالعربيّة). تُعرَض مع الفصل بين النصّ والتأويل؛ وليست فتوى فقهيّة ولا نصيحةً طبّيّة.