السؤال/الدعوى: «إن كان القرآن يبيح التعدّد، فما معنى "العدل" في هذه الأسرة — أمجرّد كلمةٍ أم تضع الآياتُ مقياسًا محدّدًا؟» في الحقيقة، العدل مُعرَّفٌ داخل آيات التعدّد نفسها: فالإذن معلَّقٌ على العدل ذاته.
العدل شرطٌ سابقٌ للإذن، لا وصيةٌ لاحقة
الآية التي تبيح التعدّد تجعل العدل شرطًا قبل منح الإذن (4:3):
...فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً... ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا. (4:3)
فالترتيب: أولًا مسألة العدل، ثم الإذن. وخوفُ العجز عن العدل يردّ التعدّد إلى الواحدة. فالعدل هنا ثمنُ الإذن وحدُّه (تأويل).
نوعان من "العدل": ما في الطاقة وما ليس فيها
يقول القرآن بأمانةٍ إنّ وجهًا من العدل فوق طاقة البشر (4:129):
وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ... (4:129)
تقول الآية أمرين معًا: (1) المساواة التامّة في القلب — قسمة الحبّ بالسويّة — غير ممكنة؛ فلا تُؤاخَذون عليها. (2) لكن ذلك ليس عذرًا لترك إحداهنّ «كالمعلّقة» (لا ذاتِ زوجٍ ولا مطلَّقة، مهمَلة)؛ بل هو نهيٌ عنه. فالعدل المأمور به عدلٌ في الفعل: النفقةُ، والاهتمام، والوقت، والمعاملة — لا ميلُ القلب (تأويل: وهذا أساس تفريق الفقه الكلاسيكي بين «العدل المادّي واجب» و«ميل القلب معفوٌّ عنه»).
الالتزامات المحدّدة التي تضعها الآيات
سياقُ آيات التعدّد يُعدّد ما يُستحَقّ لكلّ زوجة:
- العِشرة بالمعروف مع كلٍّ منهنّ (4:19): «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». وهذا دَينٌ لكلّ زوجةٍ لا لواحدة.
- عدم استرداد ما أُعطي (4:20): وإن آتيتَ إحداهنّ «قِنطارًا» فلا تأخذ منه شيئًا. فالضمانُ المادّيّ لكلّ زوجةٍ مصون.
- كون النكاح «ميثاقًا غليظًا» (4:21): كلّ نكاحٍ ميثاقٌ مستقلٌّ تامّ؛ فالزوجة الثانية أو الثالثة ليست التزامًا «نصفيًّا».
مبدأ العدل العامّ يسري على هذه الأسرة أيضًا
أمرُ القرآن بالعدل يقيّد الميولَ داخل الأسرة:
- «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.» (4:135)
- «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ.» (5:8) — والمبدأ واضح: العاطفة (بغضًا كانت أو ميلًا) لا تعلو على العدل.
- «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.» (16:90)
فزيادةُ الحبّ لإحداهنّ لا تسوّغ ظلمَ الأخرى. وتحذيرُ 4:129 «فلا تميلوا كلّ الميل» هو عينُ هذا المبدأ منقولًا إلى داخل البيت (تأويل).
خاتمة 4:129: التلافي والرحمة
تنتهي الآية بالاعتراف بعجز الإنسان عن المساواة القلبية: «وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.» (4:129) فالقرآن واقعيّ: إن استحال العدل التامّ، فالمطلوب السعيُ وعدمُ الوقوع في الإهمال والإصلاح؛ أمّا التفاوت القلبيّ الحتميّ فيُترك لرحمة الله — وليس ذلك رخصةً للامبالاة (تأويل).
قراءاتٌ مختلفة
- الفقه الكلاسيكي: العدل = المساواة المادّية/الفعلية: تجب التسوية بين الزوجات في النفقة والكسوة والسكنى و«القَسْم» (توزيع المبيت بالعدل)؛ أمّا ميل القلب (4:129) فمعفوٌّ عنه لأنه ليس بيد العبد. وترك الزوجة مهمَلةً بلا نهايةٍ (كالمعلّقة) حرام.
- قراءة إصلاحية/حديثة: لمّا أعلنت 4:129 استحالةَ العدل التامّ عمليًّا، صار سقفُ العدل عاليًا إلى حدٍّ يتعذّر بلوغه في أكثر الأحوال؛ فيميل عملُ النصّ نحو الوحدة (خطّ عبده).
- قراءة أخلاقية/مقاصدية: العدل ليس مجرّد جدولٍ ونفقة؛ فلكلّ زوجةٍ حقٌّ في السكن والمودّة والرحمة (30:21). وهجرُ الزوجة عاطفيًّا — ولو أُدّيَت حقوقُها المادّية — ظلمٌ يناقض تلك الغاية.
حدٌّ أمين
- القطعيّ في النصّ: الإذن معلّقٌ على شرط العدل (4:3)؛ والمساواة القلبية التامّة مستحيلة لكنّ تركَ إحداهنّ كالمعلّقة محرَّم (4:129)؛ ولكلّ زوجةٍ عِشرةٌ بالمعروف (4:19) وضمانٌ مادّيّ (4:20) وميثاقٌ تامّ (4:21)؛ وأمرُ العدل العامّ (4:135؛ 5:8؛ 16:90) يقيّد هذه الأسرة أيضًا.
- ما هو تأويل: مدى العدل — أمادّيٌّ فقط أم يشمل الاهتمام العاطفيّ — خلافيٌّ في الفقه والقراءة الحديثة (تأويل). ولا تحسم هذه المقالة ذلك الخلاف الاجتهادي.
- لا يُخلط: «المساواة القلبية التامّة مستحيلة» لا تعني «لك أن تهمل من تشاء». فـ4:129 تفرّق بينهما: تعفو عن المستحيل وتنهى عن الإهمال.
الخلاصة: آياتُ إباحة التعدّد تأمر بالعدل في النَّفَس ذاته؛ فالعدل ثمنُ ذلك الإذن وحدُّه معًا. والعدل الذي يطلبه القرآن محدَّد: إيتاءُ كلّ زوجةٍ حقَّها المادّيّ كاملًا، وألّا تُترَك إحداهنّ معلّقةً مهمَلة، ومعاملةُ كلٍّ بالمعروف، وعدمُ استرداد ما أُعطي. ويعترف بأنّ المساواة القلبية التامّة تفوق الطاقة — لكنه يربط ذلك لا برخصةِ إهمالٍ بل بأمرِ «فلا تميلوا كلّ الميل، وأصلِحوا، واتّقوا». ومن عجز عن العدل فجوابُ الآية معطًى سلفًا: «فواحدة» (4:3).
مقالات ذات صلة
- هل الزواج بأربعٍ لإشباع الرغبة؟
- هل يأمر القرآن بتعدّد الزوجات؟ (4:3)
- المرأة و4:34
- ما معنى «ملك اليمين»؟
- العدل (موضوع)
المصدر: آيات قرآنية (تُحقّق النصّ عبر quran.com/tanzil) + تقاليد تفسيرية كلاسيكية وإصلاحية (المنار). يُعرَض مع التمييز بين النص والتأويل، عابرًا للمذاهب وباحترام. وليس فتوى.