← الدعوى والدليل

زيد وزينب: هل تزوّج النبيُّ زوجةَ متبنّاه؟ (٣٣:٣٧)

السؤال/الدعوى: «تحكي الآية ٣٣:٣٧ زواجَ النبيّ من زينب مطلَّقةِ متبنّاه زيد، وتقول له: 'وتُخفي في نفسك ما اللهُ مُبديه وتخشى الناسَ واللهُ أحقُّ أن تخشاه'. أليس هذا دليلًا على أنّ النبيّ اشتهى زوجةَ ابنه ثمّ شرْعَنَ ذلك بغطاءِ أمرٍ إلهيّ — زواجُ مصلحةٍ في أحسن الأحوال؟»

السياق: أهي 'قصةُ حبّ' أم إلغاءُ مؤسسة؟

لا تقف الآية وحدها، بل في وسط سلسلةٍ تستهدف هدمَ مؤسسة. كان في الجاهلية التبنّي: يُعامَل المتبنَّى ابنًا صُلبيًّا في كلّ شيء — يُنسَب إلى المتبنّي، ويرث، وتَحرُم زوجتُه أبدًا كحليلة الابن. يُلغي القرآن هذا على خطوتين:

  • ٣٣:٤: «وما جعل أدعياءكم أبناءكم؛ ذلكم قولُكم بأفواهكم.»
  • ٣٣:٥: «ادعوهم لآبائهم؛ هو أقسطُ عند الله.»

كان زيد بن حارثة مولى النبيّ ومتبنّاه — وكان يُدعى في الجاهلية 'زيد بن محمد'. والآية ٣٣:٣٧ هي الحالة التطبيقية التي يُوضَع فيها هذا المبدأ موضعَ الفعل (تأويل): إذ يُكسَر بيدِ النبيّ نفسِه تابو الجاهلية في الزواج من مطلَّقة المتبنَّى. وخاتمة الآية تربط ذلك بمقصدٍ تشريعيّ: «...لكيلا يكون على المؤمنين حرجٌ في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطرًا، وكان أمرُ الله مفعولًا.» وتأتي بعدها مباشرةً ٣٣:٤٠ فتختم المبدأ: «ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم، ولكن رسولَ الله وخاتمَ النبيّين.»

قراءتان: ما 'الذي أخفيتَه'؟

العُقدة في عبارة ٣٣:٣٧: «وتُخفي في نفسك ما اللهُ مُبديه». ودون فرض رأيٍ واحد، نعرض القراءتين بأسمائهما:

  • خطٌّ كلاسيكيّ قويّ (وعلى رأسه ابنُ كثير؛ والرازي بحجّة العصمة): 'المُخفى' هو عِلمٌ وحيانيّ أعلمه اللهُ النبيَّ مسبقًا — أنّ "زيدًا سيُطلّقها وأنت ستتزوّجها". و'خشيةُ الناس' ليست شهوةً نفسانية بل خوفٌ من قولهم "تزوّج زوجةَ ابنه" (تأويل). فابنُ كثير يردّ الرواياتِ التي تجعل 'المُخفى' مَيلًا/إعجابًا ويقول إنّها "غير صحيحة"، والرازي يبني الردَّ نفسَه على عِصمة النبيّ. (تنبيه: الطبريّ والقرطبيّ ينقلان في هذا الموضع كلتا الروايتين؛ انظر 'حدٌّ أمين' أدناه.) والنتيجة الفقهية: بموجب ٤:٢٣ تَحرُم أبدًا زوجةُ الابن الصُّلبيّ فقط، لا زوجةُ المتبنَّى. وبما أنّ زيدًا ليس ابنًا صُلبيًّا فالزواج مشروع؛ وتُقرّر ذلك ٣٣:٤٠.
  • القراءة القرآنية‑المركز / الأكاديمية (م. أوكويان): المسألة ليست قصةَ حبّ بل إلغاءَ مؤسسةِ التبنّي. و'المُخفى/الذي سيُبدى' ليس شهوةً بل تحفّظًا/قلقًا بشأن هذا الزواج — أنّ المجتمع سينفر قائلًا 'تزوّج زوجةَ متبنّاه' (تأويل). وعبارةُ «وتخشى الناسَ واللهُ أحقُّ أن تخشاه» تستهدف تحديدًا هذا الخوفَ من الضغط الاجتماعي؛ فالمذموم ليس الرغبةَ بل الخضوعَ للخوف الاجتماعيّ في فعل الصواب. وكونُ 'وليّ' الزواج يُقدَّم اللهَ مباشرةً (خاتمة الآية: «زوّجناكها») ومجيءُ ٣٣:٤٠ فورَها يدلّان على أنّ الحدث ذو مقصدٍ تشريعيّ لا شخصيّ.

والقراءتان معًا تتّسقان مع الإطار الذي يربط الحدثَ بالحُكم الإلهيّ لا بالرغبة الشخصية: تقول ٣٣:٣٦ «وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُه أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة»؛ وتقول ٣٣:٣٨ «ما كان على النبيّ من حرجٍ فيما فرض اللهُ له».

حدٌّ أمين

للاعتراض جانبٌ محقّ لا نلطّفه: فالنصّ نفسه يشير إلى تحفّظٍ إنسانيّ — إذ 'أخفى النبيُّ شيئًا في نفسه خشيةَ الناس'، والآية تعاتبه على ذلك (٣٣:٣٧). وهذا توتّرٌ يُقرّ به التراثُ التفسيريّ ذاته. بل إنّ بعض الروايات المبكّرة عند الطبري (عن ابن زيد/قتادة) تقرأ 'المُخفى' مَيلًا/إعجابًا بزينب، ويروي القرطبيّ والزمخشريّ كذلك حكايةً قريبةً عن 'تقلّب القلب'. فهل كان 'المُخفى' مجرّدَ علمٍ وحيانيّ أم إعجابًا — هذا لا يُحسَم قطعًا من النصّ؛ والترجيح بين القراءتين يستند غالبًا إلى مُسلَّمةٍ لاهوتية (عصمة النبيّ) لا إلى اللفظ وحده.

والقطعيّ في النصّ: (١) أنّ الزواج وقع بعد أن قطع زيدٌ العلاقةَ فعلًا («فلمّا قضى زيدٌ منها وطرًا»، ٣٣:٣٧)؛ (٢) أنّ الآية تربط الزواجَ لا بالرغبة بل بحُكمٍ إلهيّ وبمقصدِ إصلاحٍ — رفعِ تابو التبنّي وفتحِ باب الزواج من مطلَّقة المتبنَّى (٣٣:٣٧-٣٨، ٣٣:٤٠)؛ (٣) أنّ ذلك يُنتج حُكمًا قانونيًّا عامًّا. والمُختَلَفُ فيه: ماهيةُ 'المُخفى'، ورضا زينب، وتفاصيلُ طلاق زيد — وهي غيرُ مُفصَّلةٍ في القرآن وتستند غالبًا إلى رواياتِ التفسير/السيرة. فقراءةُ الحدث 'فضيحةً أخلاقية' محضة تتجاهل مقصدَه التشريعيّ الصريح؛ وقراءتُه 'أمرًا إلهيًّا بلا أيّ حرج' تمحو التحفّظَ الذي يسجّله النصّ نفسه. ولكلا الطرفين سندٌ من النصّ؛ والحُكم القاطع أحاديّ الجانب يتجاوز النصّ.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة