الإفراط في الاستهلاك، والبحار الملوّثة، والأنواع التي تنقرض... هذه عناوين اليوم. غير أنّ "القَدْر" و"الميزان" و"الإسراف" مفاهيم قديمة جدًّا في القرآن. لننصت أولًا إلى النص كما هو؛ ثم لنفصل ما نستخلصه منه ونسمه بـ"(تأويل)". والقصد ليس إصدار حكم، بل الدعوة إلى قراءة هادئة.
ماذا يقول القرآن؟
۞ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
— الأعراف 7:31
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ
أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ
وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ
— الرحمن 55:7-9
ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
— الروم 30:41
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
— الأنعام 6:38
ماذا نتعلّم؟
(تأويل) حين تُقرأ هذه الآيات معًا تتبيّن أربعة خطوط:
- الإسراف غير محبوب. الآية 7:31 لا تمنع الأكل والشرب؛ بل لا تحب الإفراط والتبذير. وقوله "لا يحب المسرفين" يجعل الاستهلاك مسألة أخلاقية.
- في الكون ميزان موضوع. في 55:7-9 تُذكر السماء مع "الميزان"، ويُطلب من الإنسان ألّا يطغى فيه وأن يقيم الوزن بالقسط. (تأويل) يمكن قراءة "الميزان" قراءة واسعة: الوزن الأمين في التجارة، والقَدْر في الطبيعة معًا.
- نقد "الفساد". الآية 30:41 تقول إنّ الفساد ظهر في البر والبحر "بما كسبت أيدي الناس". (تأويل) الآية نفسها لا تسمّي كارثة بيئية بعينها، لكنها تقرّر بوضوح مبدأ أنّ فعل الإنسان قد يُفسد الأرض.
- احترام الكائنات. الآية 6:38 تسمّي الطير ودوابّ الأرض "أممًا أمثالكم". (تأويل) وهذا يدعو إلى رؤية الأنواع الأخرى لا مجرّد موارد، بل أممًا لها وجودها.
قراءات مختلفة
(تأويل) بعض القراءات تفهم هذه الآيات أساسًا على محور الأخلاق الفردية (تجنّب التبذير والغش في التجارة). وأخرى تقرأ "الميزان" و"الفساد" في أفق أوسع للطبيعة والعدل، بوصفها مبادئ تنفتح على الوعي البيئي المعاصر. وكلتا القراءتين يمكن أن تستند إلى اللفظ؛ ولا نفرض الاختيار بينهما.
حدّ أمين
ما يقرّره النص بثبات: أنّ الإسراف غير محبوب (7:31)، وأنّ ميزانًا وُضع ويجب إقامة الوزن بالقسط (55:7-9)، وأنّ يد الإنسان قد تؤدّي إلى فساد (30:41)، وأنّ الكائنات تُذكر بوصفها "أممًا" (6:38). وما يبقى موضع نقاش بوصفه (تأويلًا): تقديم هذه الآيات على أنها المقابل الحرفي لسياسة مناخية بعينها أو لبرنامج بيئي حديث. الآيات تعطي مبادئ؛ وأمّا بناء التطبيق المعاصر فمن مجال عقل الإنسان واجتهاده. وينبغي ألّا نخلط بين ما تقوله الآية وما نستنبطه منها.
الخلاصة: دون أن يمنع الأكل والشرب، لا يحب القرآن الإسراف؛ ويضع في الكون ميزانًا ويطلب من الإنسان حفظه؛ وينتقد الفساد، ويَعُدّ الكائنات الأخرى أممًا أمثالنا. ويمكن قراءة هذا الإطار دعوةً هادئة إلى الاعتدال الشخصي وإلى موقف مسؤول تجاه الأرض.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.