في القرآن، يُصوَّر الزواج لا كمعاملة قانونية باردة، بل كرابطة قائمة على السكينة والمودّة والرحمة. وللإجابة عن سؤال "كيف نتزوّج؟"، لننظر أولًا إلى ما يقوله القرآن صراحةً، ثم نُعلّم على حِدة ما نستنتجه منه (تأويل).
ماذا يقول القرآن؟
أولًا، الآية التي تُحدّد مقصد الزواج:
وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
(الروم 30:21)
المهر يُرسي الأساس المادّي للعقد:
وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا
(النساء 4:4)
فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ
(النساء 4:24)
النيّة والعفّة:
وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ
(النور 24:33)
مشاركة الأهل في العملية:
فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ
(النساء 4:25)
مثال آخر يُرسّخ أنّ المهر جزء من العقد:
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
(الممتحنة 60:10)
كلمات / جذور مفتاحية
- صَدُقَات / نِحْلَة — في 4:4 يَرِد المهر بلفظ "صدُقات" (من جذر الصدق) و"نِحلة" (عطيّة عن طيب نفس بلا مقابل). (تأويل:) لغةُ المهر نفسها لغةُ عطاءٍ صادق، لا ثمنُ مبادلة.
- أُجُور / فَرِيضَة — في 4:24 يُذكَر المهر بلفظ "أجور" (حقّ مستحَقّ) و"فريضة" (التزام محدَّد)؛ أي إنّه ليس اختياريًّا بل عنصرٌ مُقرَّر في العقد.
- إحصان / مُحْصِنِينَ — هذا الجذر المتكرّر في 4:24-25 يعني "العفّة وحفظ العِرض"؛ فالعقد رابطةٌ مُعلَنة تتميّز عن الزنا وعن "اتّخاذ الأخدان" (الأصدقاء سِرًّا).
- بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ — في 4:25 تَرِد عبارة "بإذن أهلهنّ".
ماذا نتعلّم؟ (تأويل)
(ما يلي استنتاجٌ من الآيات، وليس نصَّها.)
- المهر حقٌّ للمرأة. تقول 4:4 "آتوا" المهر للمرأة مباشرةً؛ وتجعله 4:24-25 "فريضة" (التزامًا محدَّدًا). (تأويل:) المهر يُرسي الضمان المادّي للعقد لصالح المرأة.
- المهر ليس "ثمن العروس". في الآيات يُعطى المهر للمرأة نفسها. (تأويل:) أمّا "ثمن العروس" الذي يُدفع للأهل فلا يَرِد في النصّ القرآني؛ بل أصله العُرف/التقليد. وقد عالجنا هذا التمييز بالتفصيل في مقال "ثمن العروس"، ولا نُكرّره هنا.
- النيّة يجب أن تكون مُعلَنة وعفيفة. تَضع 4:24-25 شرط "الإحصان وعدم السفاح وعدم اتّخاذ الأخدان"؛ وتُرشد 24:33 إلى الاستعفاف عند انعدام الاستطاعة. (تأويل:) النكاح رابطةٌ مُعلَنة، لا علاقةٌ سرّيّة أو مؤقّتة.
- الأهل يشاركون في العملية. تَضمّن 4:25 عبارة "بإذن أهلهنّ". (تأويل:) العقد ليس شأنًا منعزلًا لشخصين؛ بل خطوةٌ يعترف بها محيطُهما.
قراءات مختلفة
عبارة "بإذن أهلهنّ" في 4:25 تحتمل أكثر من قراءة:
- قراءة المبدأ العامّ: يقرؤها بعض المفسّرين كمبدأ عامّ يقتضي مشاركة الأهل/الوليّ في عملية كلّ زواج.
- قراءة سياقية: ويرى مفسّرون آخرون أنّ السياق المباشر للآية (الفئة المحدَّدة المُسمّاة "فتيات" في تشريع ذلك العصر) محدودٌ، فلا يُعمَّم شرط "إذن الوليّ" على كلّ حالة.
(تأويل:) القراءتان تستندان إلى النصّ؛ والقرآن لا يفرض طقسًا أو إجراءً واحدًا. وكون دور الوليّ شرطًا قانونيًّا أم عُرفًا متعارَفًا مسألةٌ مُختلَفٌ فيها بين المذاهب الفقهية.
حدٌّ أمين
- العناصر التي يُقرّرها القرآن قطعيًّا: إيتاء المهر للمرأة (4:4؛ 4:24-25؛ 60:10)، النيّة العفيفة المُعلَنة (4:24-25؛ 24:33)، مشاركة الأهل في العملية (4:25، وسياقها مُختلَفٌ فيه).
- التفاصيل غير الموجودة في النصّ القرآني: صيغة عقد النكاح، طقسٌ مُعيَّن، عدد الشهود وإجراءاتهم، وممارسات مثل "ثمن العروس". هذه أصلُها الفقه/العُرف، ولا يجوز رفعها فوق النصّ القرآني؛ بل تُقرأ قراءةً تاريخية وصفية.
- أمّا بمن نتزوّج (مسألة الإيمان المشترك، أهل الكتاب، المشركون، إلخ) فموضوعٌ منفصل وحسّاس، اكتفينا هنا بالإشارة إليه. و60:10 تُذكَر فقط مثالًا على عنصر المهر/العقد.
الخلاصة: الزواج بحسب القرآن عقدٌ قائم على التراضي، بمهرٍ وعفّةٍ ومُعلَن؛ والأهل جزءٌ من العملية أيضًا. لا يُقدّم القرآن دليلَ مراسم، بل إطارًا أخلاقيًّا وقانونيًّا: الإعطاء (المهر)، والشفافية (الإحصان)، والبناء على المودّة والرحمة (30:21). أمّا بقيّة التفاصيل الشكلية فمتروكةٌ للثقافات وللفقه.
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليس فتوى فقهية.