الدعوى: "يجب على المسلم أن يسمي ولده اسمًا عربيًّا. هناك قوائم لـ«الأسماء الإسلامية»، ومَن خرج عنها فقد أبعد ولده عن الدين. والقرآن يمنع التسمية بالتركية أو الكردية أو الفارسية أو غيرها."
ماذا يقول القرآن؟
يتكلم القرآن عن الأسماء أقلَّ بكثير مما يُتوقَّع، لكنه حيث تكلَّم وضع المعيار واضحًا. ليس في النص قائمة أسماء، ولا لغةٌ للأسماء. بل ثلاثة معايير: إلى مَن يَنسب الاسمُ صاحبَه، وهل يَحطُّ الاسمُ من قدره، وهل يقابل الاسمُ حقيقةً موجودة.
المعيار الأول هو النسب. في سورة الأحزاب، بعد بيان أن المتبنَّى لا يصير ابنًا بالقول:
وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَٰهِكُمْ
«…وما جعل الله الأولاد المتَبَنَّيْنَ أبناء في الشرع، بل إن الظهار والتبني لا حقيقة لهما في التحريم الأبدي،» (33:4)
ثم تأتي الآية التالية بالحكم العملي:
ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ
«انسبوا أدعياءكم لآبائهم، هو أعدل وأقوم عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم الحقيقيين فادعوهم إذًا بأخوَّة الدين التي تجمعكم بهم، فإنهم إخوانكم في الدين ومواليكم فيه،» (33:5)
المعيار الثاني ألّا يكون الاسم أو اللقب مُذِلًّا. وسورة الحجرات تضع مسألة الألقاب داخل النهي عن السخرية:
وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلْأَلْقَـٰبِ ۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَـٰنِ
«…ولا يَعِبْ بعضكم بعضًا، ولا يَدْعُ بعضكم بعضًا بما يكره من الألقاب، بئس الصفة والاسم الفسوق،» (49:11)
المعيار الثالث أن يقابل الاسمُ حقيقةً. فالقرآن يصف أسماء الأصنام بأنها ألقاب اخترعها الناس، لا مضمون تحتها:
إِنْ هِىَ إِلَّآ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ
«…إنما هي أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم بمقتضى أهوائكم الباطلة، ما أنزل الله بها مِن حجة تصدق دعواكم فيها.» (53:23)
وفي المقابل تُنسب الأسماء الحسنى إلى الله، وتُقرن بالدعاء:
وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا
«ولله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى، الدالة على كمال عظمته، وكل أسمائه حسن، فاطلبوا منه بأسمائه ما تريدون،» (7:180)
وفعل التسمية نفسه يَرِد في النص مباشرةً أكثر من مرة. فاسم الغلام الموعود به زكريا يُبلَّغ بالوحي، ويُذكر أنه لم يُسمَّ به أحد من قبل:
يَـٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَـٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
«يا زكريا إنَّا نبشرك بإجابة دعائك، قد وهبنا لك غلامًا اسمه يحيى، لم نُسَمِّ أحدًا قبله بهذا الاسم.» (19:7)
وأمٌّ من آل عمران تُسمِّي ابنتها بنفسها، ويُروى ذلك بالبساطة ذاتها:
وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ
«…وإني سمَّيتها مريم، وإني حصَّنتها بك هي وذريَّتها من الشيطان المطرود من رحمتك.» (3:36)
بل إن الاسم الجامع للأمة نفسه يُنسب في القرآن إلى الله:
هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا
«…وقد سَمَّاكم الله المسلمين مِن قبلُ في الكتب المنزلة السابقة، وفي هذا القرآن،» (22:78)
ماذا نتعلم؟
(تفسير/رأي) حين تُقرأ هذه الآيات معًا، فإنها لا تسند فكرة «قائمة الأسماء الإسلامية». ما يقوله القرآن عن الاسم يدور حول الصلة والكرامة والصدق، لا حول اللغة.
(تفسير/رأي) حكم 33:5 حكمُ نسبٍ وهوية: يُدعى الولد إلى أبيه الحقيقي، فإن جُهل فالهوية تُبنى على أخوّة الدين. والمسألة ليست عربية الاسم من عجمته، بل أن يربط الاسمُ الإنسانَ بصلة حقيقية لا بنسبٍ مُصطنَع. ثم تفرّق الآية بين الخطأ والتعمّد، فالمناط هو القصد لا الامتثال لقائمة.
(تفسير/رأي) أما 49:11 فبُعدُ الكرامة. حين ينهى عن الألقاب لا يعطي قائمة كلمات؛ المعيار هو أذى المخاطَب وتصغيره. وهذا المعيار يعمل بصرف النظر عن لغة الاسم: اسمٌ جُعل مادةً للسخرية يدخل في الآية ولو كان عربيًّا.
(تفسير/رأي) وبقراءة 53:23 مع 7:180 يظهر الحدّ الثالث: ألّا يحمل الاسمُ دعوى ليست لصاحبه. فالمنتقَد في القرآن هو إلصاق الاسم بـحقيقة غير موجودة. وهل يجوز أن يحمل اسم إنسانٍ صفةً إلهية محضة؟ يُبحث ذلك على ضوء هذه الآيات، لكن موضوع الآيات نفسه هو الأصنام لا أسماء الناس.
(تفسير/رأي) وأكثر المواضع تعليمًا 19:7 و3:36. فاسم يحيى يُعطى بالوحي، ويُذكر أنه لم يسبق إليه أحد — أي أن اسمًا جديدًا لم يُستعمل من قبل يَرِد في مثال القرآن نفسه بصورة إيجابية. أما اسم مريم فاختارته أمها، والنص لا يُعقِّب بموافقة ولا باعتراض، بل يرويه تصرفًا أبويًّا عاديًّا.
ملاحظة في الجذر والمفردة
بحسب التحليل الصرفي في قاعدة البيانات، يرد الجذر س م و في 381 كلمة في القرآن، وأغلبها بمعنى السماء: سَماء 310 مرات. أما اسم فيرد 39 مرة، والفعل سَمَّى 8 مرات (3:36، 7:71، 12:40، 13:33، 22:78، 53:23، 53:27، 76:18)، وسَمِيّ مرتين فقط (19:7 و19:65).
وضِيق مبحث الألقاب يظهر بالعدّ أيضًا: الجذر لقب يرد مرة واحدة في القرآن كله، والجذر نبز مرة واحدة كذلك، وكلاهما في الآية نفسها: 49:11. فالنهي عن الألقاب قائم في آية واحدة وسياق واحد هو النهي عن السخرية.
قراءات مختلفة
(تفسير/رأي) قراءة لغوية: يمكن حمل الاسم في 49:11 على «الذِّكر والوصف» لا على «العَلَم»؛ وعليه تكون الآية في كيفية تخاطب الناس لا في التسمية عند الولادة، فيصير موضوعها أدب الكلام.
(تفسير/رأي) قراءة تقليدية: جرى العمل عند كثيرين على تفقُّد معاني الأسماء وتغيير ما ساء منها. ومستند ذلك في الغالب مصادر ما بعد القرآن؛ وهذه المقالة لا تستدل بتلك الطبقة، لكنها تُقرّ بوجودها وبأن نتيجتها لا تُلغيها.
(تفسير/رأي) قراءة ثقافية: كثيرًا ما يكون تعبير «الاسم الإسلامي» اليوم علامة انتماء ثقافي أكثر منه معيارًا دينيًّا؛ فالاسم العربي في المجتمعات غير العربية قد يُقرأ دليلَ تديُّن. وهذا توقُّع اجتماعي لا نصّي، وليس خطأً في ذاته، لكنه سؤال آخر.
(تفسير/رأي) قراءة أكاديمية: كثير من أسماء الأنبياء في القرآن ليست عربية الأصل أصلًا؛ فيحيى ومريم وإبراهيم وإسحاق وإسماعيل من فروع مختلفة من العائلة السامية. وهذا يبيّن أن معادلة «اسمٌ في القرآن = اسم عربي» لا تستقيم حتى داخل النص.
الحدّ الأمين
المقطوع به في النص: ليس في القرآن آية توجب تسمية الولد باسم عربي، ولا فيه قائمة أسماء معتمدة. والذي يضعه النص ثلاثة حدود: (1) أن يُدعى الإنسان إلى نسبه الحقيقي (33:5)، (2) ألّا يُنادى بلقبٍ مُذِلٍّ ولا على وجه السخرية (49:11)، (3) ألّا يُلصق الاسم بدعوى فارغة (53:23).
المتروك للاجتهاد: كون اسمٍ بعينه «مناسبًا» أو غير مناسب. وكون معنًى ما سيئًا. ووجوب تغيير الاسم من عدمه. وحالُ اسمٍ يحمل صفةً أكبر من صاحبها. لا يتكلم القرآن في شيء من ذلك اسمًا اسمًا؛ يضع المعيار ويترك التطبيق للأسرة والمجتمع.
ما ليست هذه المقالة: ليست فتوى، ولا محاولةَ فرزٍ للأسماء الموجودة إلى صحيح وباطل. ولا تعترض على اسم أحد؛ إنما تقول إن القراءة التي تجعل الإنسان ناقصًا دينيًّا بسبب اسمه لا سند لها في النص.
الخلاصة: لا يشترط القرآن لغةً للاسم، بل يضع معيارًا. فالاسم ينبغي أن يربط صاحبه بصلاته الحقيقية، وألّا يحطّ من قدره، وألّا يحمل دعوى ليست له. واسمٌ يستوفي هذه المعايير الثلاثة يقع داخل حدود النص من أي لغة جاء — واسمٌ لا يستوفيها يقع فيما قصدته الآية ولو كان عربيًّا.
مقالات ذات صلة
- التبنّي وقصة زيد وزينب
- الأولاد والتربية
- مهر العروس وثمن الرأس
- العرافة والأبراج
- النذر عند الأضرحة وربط الخِرَق
المصدر: آيات القرآن الكريم (تفسير الميسّر بالعربية، ومعاني م. أوكويان بالتركية). يُقدَّم مع التمييز بين النص والتفسير، وليس فتوى فقهية.