السؤال/الدعوى: «إن كان القَدَر موجودًا فلا إرادةَ حرّة. فالله يعلم كلّ شيءٍ أزلًا و﴿يُضلّ من يشاء﴾ (١٤:٤)؛ فالإنسان لم يختَر حقًّا، ومعاقبتُه إذًا ظلمٌ وتناقض.»
السياق: لا يوجد "رأيٌ كلاسيكيٌّ" واحد
هذه من أقدم مسائل علم الكلام، ولا جوابَ كلاسيكيًّا واحدًا؛ فالمدارس تختلف بأسمائها:
- الجبرية (خطّ الجهم بن صفوان): فعل الإنسان مجازيٌّ كتمايُل الشجرة في الريح؛ والفاعل الحقيقيّ هو الله وحده. تُطلِق السيادة الإلهية (١٤:٤ ﴿يُضلّ الله من يشاء﴾) لكنّها تعجز عن تفسير المسؤولية، وقد ردّها أهل السنّة أيضًا.
- المعتزلة (كالقاضي عبد الجبّار): حفظًا للعدل الإلهيّ (العدل) ترى أنّ الإنسان "يُنتِج" فعله (خلق/تولُّد)؛ والله لا يخلق الفعل القبيح وإلّا كان العقاب ظلمًا. وتحتجّ بـ٦:١٤٩ و٩١:٨ على قدرةِ اختيارٍ حقيقية.
- الأشاعرة (أبو الحسن الأشعري): عقيدة الكسب/الاكتساب — الله يخلق الفعل (خلقًا)، والعبد "يكتسبه" (كسبًا)؛ والمسؤولية معلّقةٌ بهذا الكسب. فيُجمَع بين "كلٌّ بمشيئته" ومحاسبةِ العبد معًا (تأويل).
- الماتريدية (أبو منصور الماتريدي): قريبةٌ من كسب الأشاعرة لكنّها تعطي وزنًا أكبر للإرادة الجزئية للإنسان واختياره؛ فالله يخلق كلّ الإمكانات، والعبد يختار بحرّيةٍ أيّها يُخرِج إلى الفعل (تأويل).
وفي مسألة العلم الأزليّ، خطُّ أهل السنّة كما نقله القرطبيّ واضح: علمُ الله بالشيء بعلمه الأزليّ لا يمنع وقوعَه باختيار العبد نفسه — فالعلم ليس إكراهًا (تأويل).
قراءتان: الكلام الكلاسيكيّ وقراءةٌ قرآنية المنطلق
القراءة القرآنية/الأكاديمية (ومنها خطّ محمد أوكويان "الإرادة الحرّة والقَدَر بحسب القرآن") تؤسّس المسؤولية على مجموعاتٍ من الآيات:
- القدرة المزدوجة: ﴿ونفسٍ وما سوّاها، فألهمها فجورَها وتقواها﴾ (٩١:٧-٨). أُعطي الإنسان الوجهين معًا؛ فالفلاح فعلُ "من زكّاها" (٩١:٩)، والخسران فعلُ "من دسّاها" (٩١:١٠) — والفاعل هو الإنسان (تأويل). والتفسير الكلاسيكيّ يقرأ ٩١:٨ كذلك على أنّه استعدادٌ فطريٌّ للتمييز بين الخير والشرّ (تفسير الشمس ١-١٠، ديانت).
- بُيِّن الطريق وتُرك الاختيار للإنسان: ﴿إنّا هديناه السبيل إمّا شاكرًا وإمّا كفورًا﴾ (٧٦:٣)؛ ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (١٨:٢٩).
- الإنسان فاعل: ﴿إنّ الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم﴾ (١٣:١١) — فبدايةُ التغيير معلّقةٌ بعالَم الإنسان الداخليّ وعمله (تأويل).
- الحجّة لله، لكن لا إكراه: ﴿قل فلله الحجّة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ (٦:١٤٩). ويقرؤها هذا الخطّ: لمّا لم يشأ الله فرضَ الإيمان قسرًا صارت المسؤولية ذات معنى؛ فالإيمان المُكرَه يُلغي الابتلاء (تأويل).
وهذه القراءة تُبقي آيات "الإضلال" مع آيات الاختيار: فإضلال ١٤:٤ يشمل — بحسب ٢:٢٦ — "إلا الفاسقين" (نتيجةَ الاختيار)، والله لا يرضى الكفر (٣٩:٧)؛ فتُهمة "الظلم/التناقض" تزول عن كونها لازمة (تأويل).
حدٌّ أمين
لنمنح الاعتراض حقّه: التوتّر المنطقيّ حقيقيّ، والنقاش لم "يُحسَم". فإن كان الله يخلق كلّ فعلٍ (خلق الأشاعرة) ويعلمه أزلًا، فهل يحمل مفهوم "الكسب" المسؤوليةَ وحده؟ هذا محلّ خلاف؛ وقد انتقدت المعتزلة وكثيرٌ من المحدَثين كسبَ الأشاعرة بوصفه حلًّا "اسميًّا" لا أثر له (تأويل). والنصّ ذو اتّجاهين: فيه آياتُ اختيارٍ قويّة (١٨:٢٩؛ ٧٦:٣؛ ٩١:٩-١٠؛ ١٣:١١) وآياتُ سيادةٍ إلهية قويّة (١٤:٤؛ ٦:١٤٩؛ ٧٦:٣٠ ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾). والقراءة الأمينة تُقرّ بأنّ الجمع بينهما اختيارٌ/تأويل كلاميّ، وأنّ النصّ لا يفرض حلًّا فلسفيًّا واحدًا. والحدُّ: لا دعوى "إن كان قَدَرٌ فلا إرادةَ حرّة قطعًا" ولا دعوى "المسألة حُلّت تمامًا" لازمٌ للنصّ.
مقالات ذات صلة
- «إن كان الله يُضلّ من يشاء، فهل يُلام الإنسان؟»
- مشكلة الشرّ: لماذا يسمح إلهٌ خيّرٌ بالمعاناة؟
- هل يغفر الله كلّ ذنب؟
- تأكيد القرآن على العقل والتفكّر
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.