عند ذكر "الزكاة" يقفز إلى الذهن غالبًا "اثنان ونصف بالمئة" وجداول الحساب. لكنّ القرآن يتحدث عن الزكاة أولًا عبر أسئلة: لِمَن، ولماذا، وبأيّ قلبٍ تُعطى. يقدّم هذا الدليل مصارف الزكاة وروحها من نافذة الآيات.
ماذا يقول القرآن؟
إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين (المدينين) وفي سبيل الله وابن السبيل (المنقطع في سفره)، فريضةً من الله، والله عليمٌ حكيم. (9:60)
يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تُغمِضوا فيه. (2:267)
خذ من أموالهم صدقةً تطهّرهم وتزكّيهم بها. (9:103)
إن تُبدوا الصدقات فنِعمّا هي، وإن تُخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم. (2:271)
والذين في أموالهم حقٌّ معلوم، للسائل والمحروم (المحروم: مَن يتعفّف عن السؤال فيُحرَم). (70:24-25؛ ونظيرها في 51:19 بلا لفظ "معلوم")
وما آتيتم من ربًا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله، وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المُضعِفون. (30:39)
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذابٍ أليم. (9:34-35)
إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم. (2:277)
كلمات مفتاحية
- الزكاة (ز-ك-و): يحمل الجذر معنى "الطهارة/التطهّر" ومعنى "النموّ/البركة" معًا (معلومة على مستوى المعجم). وترد في 9:103 فعلًا: "تطهّرهم وتزكّيهم بها".
- إنّما: تفتتح بها الآية 9:60، وهي أداة حصرٍ تُثبّت المصارف بقوّة.
- فريضةً من الله: تختم بها الآية لتؤكّد أنّ هذا التخصيص مُلزِم.
- حقّ (51:19؛ 70:24-25): مفهوم "الحقّ المعلوم" لغير المالك في المال.
ماذا نتعلّم؟ (تأويل)
- الفئات الثمان في 9:60 تضع أضعف شرائح المجتمع في قلب الزكاة: الفقير، المسكين، الغارم، ابن السبيل، الساعي للحرية. يقرؤها الفقه الكلاسيكي قائمةً مُلزِمة "لا تُصرف الزكاة إلا لهؤلاء الثمانية"، بينما تراها القراءة القرآنية-المركزية إطارًا للعدالة الاجتماعية (تأويل).
- تُبيّن 9:103 أنّ الغاية من أخذ المال هي "التطهير والتزكية"؛ أي أنّ الزكاة ليست بابًا ضريبيًّا فحسب، بل عمليةُ تطهيرٍ للمُعطي أيضًا (تأويل).
- بحسب 51:19 و70:24-25، في المال حقٌّ معلومٌ "للسائل والمحروم"؛ فالعطاء في هذه القراءة ليس مِنّةً بل ردٌّ لحقّ (تأويل).
- تضع 30:39 الرِّبا في مقابل الزكاة: فالذي "ينمو ويُبارَك" حقًّا ليس الرِّبا بل الزكاة؛ وتُحذّر 9:34-35 من كنز الذهب والفضة دون إنفاق. وهما معًا تجعلان الزكاة أداةً لتدوير الثروة ومقاومة الاكتناز (تأويل).
- يقرأ أكثر الفقهاء "في سبيل الله" قراءةً ضيّقة أي "المقاتلين في سبيل الله"؛ ويوسّعها كثيرٌ من العلماء المعاصرين (ومنهم تفسير ديانت) لتشمل كلّ نشاطٍ نافع كالتعليم والصحّة والمصلحة العامّة (تأويل).
- تُرسي 2:267 و2:271 مبدأ النيّة والجودة: فلا يكون المُعطى شيئًا رديئًا "لا تأخذه أنت إلا بإغماض عين"، وإخفاء الصدقة كثيرًا ما يكون أفضل (تأويل).
حدّ أمين
الواضح على مستوى النصّ: الزكاة فريضة؛ ومصرفها في 9:60 ثماني فئات؛ والغاية التطهير والتوجّه إلى المحتاج. هذه ألفاظ الآيات الصريحة.
والمتنازَع فيه على مستوى التأويل/التراث:
- هل الفئات الثمان حاصرة أم مثالٌ؟ يقول الإجماع الكلاسيكي "لا إلا هؤلاء الثمانية"، و"إنّما + فريضة" تربط التخصيص بقوّة. ويرى بعض المُحدَثين أنّ الأصل وظيفة الفئات (حالات القهر والدَّين والرقّ)، وأنّ الصور قد تكون زمنية؛ ومثاله أنّ "في الرقاب" (تحرير العبيد) يتحوّل مضمونه بزوال الرقّ. ولكلا الطرفين وجهُ حقّ؛ غير أنّ توسيع الفئات بحرّيةٍ تامّة يُجهِد لفظ النصّ (تأويل).
- سهم المؤلّفة قلوبهم: ورد في التفاسير الكلاسيكية على نطاقٍ واسع أنّ عمر أوقف هذا السهم فعليًّا بحجّة "أنّ الإسلام قد قوي". يجعله بعضهم دليلًا على أنّ الاجتهاد قد يغيّر تطبيق النصّ؛ ويرى الجمهور أنّ الآية لم تُنسَخ وأنّ السهم يعود إن وُجد شرطه (تأويل). ولم يُتحقَّق هنا من سلسلة إسنادٍ واحدة لهذه الرواية.
- لِمَن تُعطى؟ يحصر الجمهور الكلاسيكي الزكاة في فقراء المسلمين؛ كما لا تُعطى للنبيّ ولبني هاشم، ولا للأصول والفروع (الوالدين والأبناء والزوج) الذين نفقتهم واجبةٌ على المُزكّي (تأويل). ويرى بعض المعاصرين، انطلاقًا من آياتٍ كـ60:8 التي تأمر بالبرّ والعدل مع غير المقاتلين من غير المسلمين، أنّ العون غير الزكوي (وعند بعضهم الزكاة نفسها) قد يكون مفتوحًا لمحتاجي غير المسلمين (تأويل).
- الدولة أم الفرد يجمع؟ أمر "خذ من أموالهم" في 9:103 يخاطب السلطة؛ والاختيار بين الجمع المؤسّسي المركزي والعطاء بالضمير الفردي مسألةٌ اجتهادية/تاريخية (تأويل).
- تفاصيل المذاهب: ما يُنسب من قسمةٍ متساوية بين الفئات الحاضرة عند الشافعية، ومن التركيز على أشدّ الفئات حاجةً عند الحنفية والمالكية والحنابلة، يعتمد على مصادر ثانوية (إسلام سؤال وجواب، ديانت، خلاصات أكاديمية)، ولم يُقارَن حرفيًّا بالمتن الفقهي المعتمد لكلّ مذهب.
الجوهر الأمين المشترك: لا تفتح أيٌّ من هذه القراءات فرضية الزكاة أو جوهرها في التوجّه للمحتاج للنقاش؛ إنّما الخلاف في "لِمَن بالضبط، وبيد مَن، وبأيّ صورة".
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.