الدعوى/السؤال: "القرآن يصف الأرض دائمًا بالألفاظ نفسها: مددناها، فرشناها، جعلها مهدًا، بساطًا. انظر: 15:19، 50:7، 71:19، 78:6، 88:20، 2:22، 20:53. كلّها وصفٌ لسطحٍ مستوٍ. فـ'المدّ' بسطٌ وتطويل، و'الفراش' ما يُفرش، و'البساط' ما يُبسط، و'المهاد' مهدُ الصبيّ؛ وليس في ذلك كرويّة البتّة. النصّ إنّما سجّل عالَم مخاطَبٍ لم يرَ أفقًا سوى السهل الذي نصب فيه خيمته. وأمّا القول بأنّه 'أراد الكرويّة' فقراءةٌ لاحقة للدفاع عن النصّ."
هذا الاعتراض يستحقّ جوابًا جادًّا؛ لأنّه يبدأ من ملاحظةٍ صحيحة: هذه الآيات تنتمي حقًّا إلى أسرةٍ واحدة من الأفعال، وتُوحي حقًّا بصورة انبساطٍ ممتدّ. وهذه المقالة لا تتجاوز الاعتراض ولا تدّعي أنّ القرآن أخبر بكرويّة الأرض. إنّما تفعل شيئًا واحدًا: تضع الآيات كاملةً أوّلًا، ثمّ تُحصي هذه الجذور في استعمال القرآن نفسه، ثمّ تفصل ما هو للنصّ عمّا هو للقارئ.
ماذا يقول القرآن؟
هذه هي الآيات التي يقوم عليها الاعتراض. أوّلًا جذر (م د د):
وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ
"والأرض مددناها متسعة، وألقينا فيها جبالا تثبتها، وأنبتنا فيها من كل أنواع النبات ما هو مقدَّر معلوم مما يحتاج إليه العباد." (15:19)
وَٱلْأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ
"والأرض وسَّعْناها وفرشناها، وجعلنا فيها جبالا ثوابت؛ لئلا تميل بأهلها، وأنبتنا فيها من كل نوع حسن المنظر نافع، يَسُرُّ ويبهج الناظر إليه." (50:7)
وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ وَأَنْهَـٰرًا
"وهو سبحانه الذي جعل الأرض متسعة ممتدة، وهيأها لمعاشكم، وجعل فيها جبالا تُثبِّتُها وأنهارًا لشربكم ومنافعكم، وجعل فيها من كل الثمرات صنفين اثنين، فكان منها الأبيض والأسود والحلو والحامض، وجعل الليل يغطي النهار بظلمته، إن في ذلك كله لَعظات لقوم يتفكرون فيها، فيتعظون." (13:3)
ثمّ جذر (ف ر ش):
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً
"ربكم الذي جعل لكم الأرض بساطًا؛ لتسهل حياتكم عليها، والسماء محكمة البناء، وأنزل المطر من السحاب فأخرج لكم به من ألوان الثمرات وأنواع النبات رزقًا لكم، فلا تجعلوا لله نظراء في العبادة، وأنتم تعلمون تفرُّده بالخلق والرزق، واستحقاقِه العبودية." (2:22)
وَٱلْأَرْضَ فَرَشْنَـٰهَا فَنِعْمَ ٱلْمَـٰهِدُونَ
"والأرض جعلناها فراشًا للخلق للاستقرار عليها، فنعم الماهدون نحن." (51:48)
وأمّا جذر (ب س ط) فلم يُستعمل للأرض إلّا مرّة واحدة:
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا
"والله أنشأ أصلكم من الأرض إنشاء، ثم يعيدكم في الأرض بعد الموت، ويخرجكم يوم البعث إخراجًا محققًا. والله جعل لكم الأرض ممهدة كالبساط؛ لتسلكوا فيها طرقًا واسعة." (71:19)
وجذر (م ه د) — المهد والمهاد:
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا
"هو الذي جعل لكم الأرض ميسَّرة للانتفاع بها، وجعل لكم فيها طرقًا كثيرة، وأنزل من السماء مطرًا، فأخرج به أنواعًا مختلفة من النبات." (20:53)
ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
"الذي جعل لكم الأرض فراشًا وبساطًا، وسهَّل لكم فيها طرقًا لمعاشكم ومتاجركم؛ لكي تهتدوا بتلك السبل إلى مصالحكم الدينية والدنيوية." (43:10)
أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا
"ألم نجعل الأرض ممهدة لكم كالفراش؟" (78:6)
وجذر (س ط ح) لم يرد في القرآن كلّه إلّا مرّة واحدة، وهي هذه:
وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
"أفلا ينظر الكافرون المكذِّبون إلى الإبل: كيف خُلِقَت هذا الخلق العجيب؟ وإلى السماء كيف رُفِعَت هذا الرَّفع البديع؟ وإلى الجبال كيف نُصبت، فحصل بها الثبات للأرض والاستقرار؟ وإلى الأرض كيف بُسِطت ومُهِّدت؟" (88:20)
وكذلك جذر (د ح و) لم يرد إلّا مرّة واحدة:
وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ
"أبَعْثُكم أيها الناس- بعد الموت أشد في تقديركم أم خلق السماء؟ رفعها فوقكم كالبناء، وأعلى سقفها في الهواء لا تفاوت فيها ولا فطور، وأظلم ليلها بغروب شمسها، وأبرز نهارها بشروقها. والأرض بعد خلق السماء بسطها، وأودع فيها منافعها، وفجَّر فيها عيون الماء، وأنبت فيها ما يُرعى من النباتات، وأثبت فيها الجبال أوتادًا لها. خلق سبحانه كل هذه النعم منفعة لكم ولأنعامكم. (إن إعادة خلقكم يوم القيامة أهون على الله من خلق هذه الأشياء، وكله على الله هين يسير)." (79:30)
وهاتان آيتان لم يذكرهما الاعتراض. الأولى فيها الجذر نفسه (م د د) مستعملًا للأرض يوم القيامة:
وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ
"إذا السماء تصدَّعت، وتفطَّرت بالغمام يوم القيامة، وأطاعت أمر ربها فيما أمرها به من الانشقاق، وحُقَّ لها أن تنقاد لأمره. وإذا الأرض بُسطت وَوُسِّعت، ودكت جبالها في ذلك اليوم، وقذفت ما في بطنها من الأموات، وتخلَّتْ عنهم، وانقادت لربها فيما أمرها به، وحُقَّ لها أن تنقاد لأمره." (84:3)
والثانية فيها جذر (ك و ر) — وهو اللَّفُّ وإدارة بعض الشيء على بعض، كتكوير العمامة:
يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيْلِ
"خلق الله السموات والأرض وما فيهما بالحق، يجيء بالليل ويذهب بالنهار، ويجيء بالنهار ويذهب بالليل، وذلَّل الشمس والقمر بانتظام لمنافع العباد، كل منهما يجري في مداره إلى حين قيام الساعة. ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز على خلقه، الغفار لذنوب عباده التائبين." (39:5)
وحركة الأجرام:
كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
"والله تعالى هو الذي خلق الليل؛ ليسكن الناس فيه، والنهار؛ ليطلبوا فيه المعايش، وخلق الشمس آية للنهار، والقمر آية للَّيل، ولكل منهما مدار يجري فيه وَيَسْبَح لا يحيد عنه." (21:33)
ماذا نتعلّم؟
(تفسير) أضعف ما في الاعتراض أنّه لم يُحصِ هذه الجذور في استعمال القرآن نفسه. وإذا أُحصيت ظهرت الصورة الآتية:
| الجذر | مجموع الكلمات في القرآن | ما استُعمل للأرض | استعمالات أخرى للجذر نفسه |
|---|---|---|---|
| م د د | 32 | 4 (15:19، 50:7، 13:3، 84:3) | إمهال المدّة (19:75)، الإمداد بالجند (3:125)، المداد (18:109)، مدّ العين (15:88، 20:131) |
| ب س ط | 25 | 1 (71:19) | بسط الرزق (29:62، 13:26)، بسط اليد (5:28، 17:29) |
| ف ر ش | 6 | 2 (2:22، 51:48) | الفُرُش (55:54، 56:34)، الفراش المبثوث (101:4)، فرشٌ من الأنعام (6:142) |
| م ه د | 16 | 4 (20:53، 43:10، 78:6، 51:48) | مهد الصبيّ (3:46، 5:110، 19:29)، مهاد الآخرة (2:206، 3:12، 7:41، 13:18، 38:56)، التمهيد (30:44، 74:14) |
| ك و ر | 3 | — | تكوير الليل والنهار (39:5)، تكوير الشمس (81:1) |
| س ط ح | 1 | 1 (88:20) | — |
| د ح و | 1 | 1 (79:30) | — |
(تفسير) ما يقوله هذا الجدول: ليس في القرآن موضعٌ واحد تدلّ فيه هذه الأفعال على شكلٍ هندسيّ. فالجذر الذي "يمدّ" الأرض هو نفسه الذي يمدّ في الأجل، ويمدّ الجيش بالمدد، ويكون منه المداد. و(ب س ط) يبسط اليد ويبسط الرزق. و(م ه د) يصف مهد الصبيّ ومهاد أهل النار سواءً — وليس الاستواء هو المقصود في شيءٍ من ذلك، بل التهيئة والإيواء والتذليل للانتفاع. وهذا المعنى نفسه هو العامل في آيات الأرض.
(تفسير) وتركيب الآيات يؤكّد ذلك. فما من آيةٍ منها تقول "جعلنا الأرض مستويةً" ثمّ تسكت؛ بل تتبعها كلُّها بجملة غاية: ففي 15:19 و50:7 رواسٍ ونباتٌ موزون، وفي 20:53 و43:10 سبلٌ — لعلّكم تهتدون، وفي 2:22 ماءٌ ورزقٌ إلى جانب الفراش. فالمقيس ليس الشكل بل صلاحية العيش. و51:48 تقولها صراحةً: فُرِشت الأرض، فنعم الماهدون — ثناءٌ على صانعٍ، لا وصفٌ لخريطة.
(تفسير) وأدقّ ما فات الاعتراضَ هو 84:3؛ ففي مشهد القيامة يُستعمل للأرض جذر (م د د) مرّةً أخرى: "وإذا الأرض مدّت". فلو كان المدّ في أصله "التسطيح" لكانت الجملة تكرارًا فارغًا؛ إذ لا يُسطَّح ما هو مسطَّحٌ بحكم التعريف. فالمدّ إذن فعلٌ وإجراء: توسيعٌ وبسطٌ وفرش، لا هيئةٌ ثابتة.
(تفسير) وأمّا (س ط ح) في 88:20 فيدلّ حقًّا على البسط والتسوية — غير أنّ الجملة نفسها جملةُ نظر: أفلا ينظرون؟ وهي آخر حلقةٍ في سلسلةٍ تأمر بالنظر إلى الإبل والسماء والجبال. والأرضُ في أفق الناظر الواقف مبسوطةٌ إلى منتهى بصره؛ وهذا وصفٌ صادقٌ لموقع الناظر، لا قياسٌ للكوكب كلّه. فالآية لا تصف كرةً ولا قرصًا، بل تأمر بـالنظر.
قراءات مختلفة
(تفسير) القراءة اللغويّة. تحصر الجذور في استعمالها القرآنيّ وتخلص إلى أنّ هذه الأفعال تدلّ على الوظيفة لا على الهيئة. قوّتها أنّ الإحصاء المتقدّم يسندها مباشرة. وضعفها أنّ 88:20 أشقّ المواضع عليها، لأنّ نواة الجذر المعجميّة فيها بالفعل "السطح والسقف المستوي".
(تفسير) القراءة الظاهراتيّة (بحسب الناظر). ترى أنّ الآيات تصف العالَم من أفق الإنسان الذي يعيش فيه، كقولنا اليوم "طلعت الشمس". قوّتها أنّها توافق طريقة مخاطبة النصّ لسامعه وتفسّر 88:20 بلا كلفة. وضعفها أنّ هذا المبدأ إن أُطلق بلا ضابط أمكن إعفاء كلّ عبارةٍ في النصّ من المساءلة بدعوى أنّها "لسان المخاطَب".
(تفسير) القراءة التوفيقيّة. تربط التكوير في 39:5 والدحو في 79:30 بأرضٍ كرويّة: إذ لا يستمرّ لفُّ الليل على النهار والنهار على الليل إلّا على جرمٍ دوّار. قوّتها أنّ (ك و ر) يدلّ حقًّا على اللفّ والإدارة، وأنّ 39:5 تُقيم استمرارًا في الاتّجاهين. وضعفها ظاهر: (1) موضوع 39:5 هو الليل والنهار لا هيئة الأرض؛ (2) و(د ح و) لم يرد إلّا مرّةً واحدة، والاستدلال الهندسيّ من موضعٍ واحد أساسٌ ضعيف؛ (3) وهذه القراءة تربط صدق النصّ بنموذجٍ متغيّر، فإذا رُوجع النموذج بقي الدَّين على النصّ.
(تفسير) القراءة النقديّة/الأكاديميّة. ترى أنّ هذه الآيات تعكس تصوّر عصرها للكون، وأنّ القراءات اللاحقة دفاعيّة. قوّتها تذكيرُها بأنّ النصّ نزل على مخاطَبٍ تاريخيّ. وضعفها أنّها لا تزن الجذور نفسها بسائر مواضعها التي تتجاوز الستّين — ففي كتابٍ يصف فيه "المهاد" مهدَ صبيٍّ ومقرَّ أهل النار، يكون استخراج الكوسمولوجيا من موضعٍ واحد قراءةً ارتجاعيّةً أيضًا.
الحدّ الأمين
ما يقوله النصّ يقينًا:
- الأفعال المستعملة للأرض هي: مدّ (15:19، 50:7، 13:3)، وفرش (2:22، 51:48)، وبساط (71:19)، ومهد/مهاد (20:53، 43:10، 78:6)، وسُطِحت (88:20)، ودحاها (79:30).
- ويتبع كلًّا منها في آيتها جملةُ منفعة: جبالٌ وأنهارٌ وسبلٌ ونباتٌ ورزق.
- ويُستعمل الجذر (م د د) نفسه للأرض يوم القيامة (84:3).
- وتقول 39:5 إنّ الليل والنهار يُكوَّر أحدهما على الآخر، وتقول 21:33 و36:40 إنّ الأجرام تسبح في فلك.
وما يبقى للاجتهاد:
- هل تدّعي هذه الأفعال شكلًا هندسيًّا أصلًا؟ النصّ لا يستعمل لفظًا للشكل، وكلا الطرفين يملأ هذا الصمت بالتأويل.
- هل تتكلّم 88:20 من موقع الناظر أم عن الكوكب في جملته؟
- هل تشير 39:5 و79:30 إلى أرضٍ كرويّة؟ الجذور تحتمل ذلك، لكنّ الآيتين لا تقولانه.
- هل يعلّم القرآن كوسمولوجيا أصلًا؟
وما ليست هذه المقالة: لا تقول "أخبر القرآن بكرويّة الأرض"، ولا تقول "أعلن القرآن أنّ الأرض مسطّحة". الأوّل تحميلٌ للنصّ ما لم يقله، والثاني إغفالٌ لجمل الغاية التي أوردها النصّ بنفسه.
الخلاصة: القرآن ليس كتابًا مدرسيًّا في الكوسمولوجيا، بل كتاب ذكرى. وحيثما ذكر الأرض فالمقيس ليس شكلها بل صلاحيتها للعيش عليها: بُسطت لينبت النبات، وفُرشت ليُستقرّ عليها، وجُعلت مهدًا لتُؤوي، وسُلكت فيها السبل ليُسار فيها. وقراءةُ هذه الآيات على أنّها دعوى تسطيحٍ، وقراءتُها على أنّها إخبارٌ مستور بالكرويّة — كلتاهما تقع في الخطأ نفسه: تُحمّل النصَّ جوابَ سؤالٍ لم يُطرح عليه. وما تطلبه الآية من مخاطَبها ليس معرفةً بالهندسة بل فعلَ نظر: أفلا ينظرون؟
مقالات ذات صلة
المصدر: آيات القرآن الكريم (بترجمة م. أوكويان بالتركيّة، والتفسير الميسّر بالعربيّة). تُعرَض مع الفصل بين النصّ والتأويل؛ وليست فتوى فقهيّة.