← الدعوى والدليل

الحروف المقطَّعة: ماذا تعني «الم»؟

الدعوى/السؤال: "القرآن يصف نفسه بأنه «كتاب مبين»، ومع ذلك تُفتتح تسع وعشرون سورة بحروف مقطَّعة لا يعرف أحد معناها: الم، كهيعص، حم، ن... وإذا وقف في أول سطر من النص شيء لا يُفهم فلا يصح أن يوصف النص بأنه «مبين». ثم إن ما قيل في هذه الحروف يناقض بعضه بعضًا، وهذا دليل على أن أحدًا لا يعلمها حقًّا."

ماذا يقول القرآن؟

لنصف الظاهرة أولًا حتى يقف الاعتراض والجواب على أرض واحدة.

تُفتتح تسع وعشرون سورة في القرآن بهذه المجموعات الحرفية. وتقع المجموعات في ثلاثين موضعًا: الآية الأولى من تسع وعشرين سورة، ثم آية ثانية في سورة الشورى حيث انقسمت المجموعة إلى موضعين (42:1-2). وفي هذه المواضع الثلاثين أربع عشرة تركيبة مختلفة (الم، الر، المر، المص، كهيعص، طه، طس، طسم، يس، ص، حم، عسق، ق، ن)، وعدد الحروف الداخلة فيها أربعة عشر حرفًا: ا ح ر س ص ط ع ق ك ل م ن ه ي.

وأشهر المواضع فاتحة سورة البقرة:

الٓمٓ

وتأتي الآية التالية لها مباشرة لتبيّن ما الذي يلي هذه الحروف:

ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ

"ذلك القرآن هو الكتاب العظيم الذي لا شَكَّ أنه من عند الله، فلا يصح أن يرتاب فيه أحد لوضوحه، ينتفع به المتقون بالعلم النافع والعمل الصالح وهم الذين يخافون الله، ويتبعون أحكامه." (2:2)

وهذا الترتيب ليس خاصًّا بسورة واحدة. ففي أربع وعشرين سورة من التسع والعشرين ترد في الآيات الثلاث الأولى واحدةٌ على الأقل من كلمات: «كتاب» أو «قرآن» أو «تنزيل». وفاتحة سورة يوسف أوضح مثال:

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ

إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

"إنا أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب، لعلكم -أيها العرب- تعقلون معانيه وتفهمونها، وتعملون بهديه." (12:2)

ويتكرر النمط نفسه في فاتحة سورة فصلت، حيث يجتمع وصف التفصيل بوصف العربية:

كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

"كتاب بُيِّنت آياته تمام البيان، وَوُضِّحت معانيه وأحكامه، قرآنًا عربيًا ميسَّرًا فهمه لقوم يعلمون اللسان العربي." (41:3)

وفي بعض السور يعقب الحروفَ قسمٌ بالقرآن نفسه:

وَٱلْقُرْءَانِ ٱلْحَكِيمِ

"يقسم الله تعالى بالقرآن المحكم بما فيه من الأحكام والحكم والحجج" (36:2)

نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ

"أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس، وبما يكتبون من الخير والنفع والعلوم." (68:1)

والخيط الثاني القائم إلى جوار الحروف هو التحدي؛ فالقرآن يعرض على من سمّاه افتراءً أن يأتي بمثله من المادة نفسها:

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِۦ

"فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم." (2:23)

قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ

"قل: لو اتفقت الإنس والجن على محاولة الإتيان بمثل هذا القرآن المعجز لا يستطيعون الإتيان به، ولو تعاونوا وتظاهروا على ذلك." (17:88)

فهل يقرّ النص بأن فيه مواضع يبقى تأويلها مغلقًا؟ نعم، ولا يعرضه عيبًا بل تصنيفًا:

هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ ءَايَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ

"منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني" (3:7)

ويبيّن النص أيضًا الغاية التي عُلِّق عليها وصفُ الوضوح:

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ

"ولقد سَهَّلْنا لفظ القرآن للتلاوة والحفظ، ومعانيه للفهم والتدبر، لمن أراد أن يتذكر ويعتبر، فهل من متعظ به؟" (54:17)

مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ

"ما أنزلنا عليك - أيها الرسول - القرآن؛ لتشقى بما لا طاقة لك به من العمل." (20:2)

ماذا نتعلّم؟

(تأويل) قوة الاعتراض آتية من قراءة «مبين» بمعنى «كل جملة فيه مغلقة على معنى واحد مستقر». وليس هذا استعمال النص لهذه الكلمة. ففي 12:1-2 يجتمع وصف «الكتاب المبين» مع وصف «قرآنًا عربيًا» في نَفَس واحد، وفي 41:3 يجتمع «فُصِّلت آياته» مع «عربيًا». فدعوى البيان هي أولًا دعوى خطابٍ بلسان المخاطَب وقابلٍ للفهم بوصفه خطابًا. وتشير 54:17 إلى الجهة نفسها: الوضوح دعوى كفاية للهداية، لا وعدٌ بأن كل تفصيل يُدرك بلا نظر.

(تأويل) والملاحظة الثانية تتعلق بالموضع. فهذه الحروف ليست منثورة في أثناء النص: تسعة وعشرون موضعًا من الثلاثين هي الآية الأولى من سورة. فالمجموعة إذن ليست عنصرًا حاملًا للمعنى داخل جملة، بل علامة افتتاح. وإذا أضفنا إليها تشديد «الكتاب/القرآن/التنزيل» الوارد بعدها في أربع وعشرين سورة، اقتربت وظيفة المجموعة في النص من أن تقول: ها هنا كتاب.

(تأويل) والملاحظة الثالثة صرفية، وتُقرأ من بيانات الصرف والمفردات التي بين أيدينا: لم يُسنَد إلى أيٍّ من المواضع الثلاثين جذرٌ؛ بل وُسمت جميعها بصنف مستقل. ففي سائر القرآن تتصل الكلمات بجذورها وتتصرف، أما هذه المجموعات فلا تتصرف ولا تدخل في إضافة ولا تقع فاعلًا ولا مفعولًا. وهذه صورة غير صورة «كلمات أُخفي معناها»: أمامنا مادةٌ لا تسلك سلوك الكلمة وتبقى حرفًا.

(تأويل) وإذا قُرئت مع آيات التحدي استقامت صورة متماسكة. فـ 2:23 و 17:88 تدعوان المخاطَب إلى أن يأتي بمثله، والمادة الخام غير محجوبة عنه: هي حروف العربية نفسها. وعلى هذه القراءة تكون المجموعات في صدور تسع وعشرين سورة هي تلك المادة موضوعةً أمام السورة: لا لغزًا بل واجهةَ عرض: هذه لبناتي، فجرّبوا مثلها.

قراءات مختلفة

(تأويل) قراءة التحدي. الحروف من الأبجدية التي صيغ منها القرآن، وفي أربع وعشرين سورة يعقبها تشديدٌ على الكتاب أو القرآن؛ وإذا قُرئت مع 2:23 و 17:88 عملت المجموعة عمل العنوان المرئي والمسموع للتحدي. وقوتها أنها قابلة للقياس: الترتيب والتجاور يُعدّان في النص. وضعفها أن هذا التجاور لا ينعقد على النحو نفسه في مواضع مثل 19:1 و 29:1 و 30:1 و 42:1-2 و 68:1.

(تأويل) قراءة التنبيه. في مقام الخطاب الشفهي يقطع الافتتاحُ بصوت غير مألوف ضجيجَ الجمع ويلفت الأسماع. وهذه القراءة تفسّر جيدًا وقوع المجموعة في الآية الأولى دائمًا تقريبًا. وضعفها أنها لا تفسّر سبب اختيار هذه التركيبات الأربع عشرة بعينها؛ فأي صوت لافت كان يؤدي الغرض.

(تأويل) قراءة تفويض العلم إلى الله. وتستند إلى صنف «المتشابه» في 3:7: فالنص يصرّح بأن فيه ما تأويله عند الله. وعلى هذه القراءة ليست الحروف شفرةً تنتظر الحل، بل موضعًا وُضِع فيه حدُّ العلم عن قصد. وضعفها أن 3:7 لا تُعيّن المتشابه بالحروف المقطَّعة؛ فهذا وصلٌ يقيمه القارئ لا الآية.

(تأويل) قراءات الرمز والاختصار. ومنها ما يجعل كل حرف اختصارًا لاسم أو صفة أو كلمة. وهي تعمل بمطابقات مجلوبة من خارج النص؛ ولا نقدّم هنا واحدة منها على أنها الصواب، لأنه لا يوجد في النص ما نقيسها به.

(تأويل) القراءات البنائية والصوتية. ومنها ما يرى أن الحروف تُنبئ بالنسيج الصوتي الغالب على السورة. وهذه دعوى قابلة للقياس من حيث المبدأ، غير أن هذه المقالة لم تُجرِ ذلك الإحصاء، فلا نقول فيها بنفي ولا إثبات.

الحدّ الأمين

المقطوع به في النص: تسع وعشرون سورة تُفتتح بمجموعات حرفية؛ وتقع المجموعات في ثلاثين موضعًا؛ وتُستعمل أربع عشرة تركيبة وأربعة عشر حرفًا؛ وفي أربع وعشرين من تلك السور يرد تشديد الكتاب أو القرآن أو التنزيل في الآيات الثلاث الأولى؛ و 3:7 تقرّ صنفين: المحكم والمتشابه، وتردّ تأويل الثاني إلى الله؛ و 2:23 و 17:88 تقيمان تحديًا صريحًا.

المتروك للتأويل: أيُّ وظيفة تحملها هذه الحروف. فليست واحدة من القراءات السابقة مسمّاةً بآية. وهذه المقالة لا تستطيع أن تشير إلى آية تعطي معنى الحروف؛ ولو استطاعت لما كان ثمّة خلاف. فقول القائل «الم معناها كذا» — أيًّا كان قائله — قولُ المؤوِّل لا قولُ النص.

ما ليست هذه المقالة: ليست حلًّا للحروف، ولا تُقدّم قراءة على سائر القراءات، ولا تدّعي أن الحروف بلا معنى؛ إنما تقول إن المعنى لم يُصرَّح به في النص.

الخلاصة: الاعتراض القائل «إذا وُجدت حروف مجهولة المعنى فالقرآن ليس مبينًا» يُحمِّل كلمة «مبين» ما لا يحمّلها إياه النص. فدعوى البيان في القرآن تتعلق بكونه بلسان المخاطَب وكافيًا للهداية (12:2 و 41:3 و 54:17)، لا بانغلاق كل لفظة على معنى واحد. ثم إن النص نفسه يعلن في 3:7 أن فيه ما يبقى تأويله مفتوحًا. وأما ما هي هذه الحروف، فالجواب الأمين: ثمّة قراءات معقولة متعددة، لم تُختم واحدة منها بآية، وهذا الإبهام ليس خللًا في النص بل خاصّةً أعلنها النص جهارًا.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات القرآن الكريم (ترجمة م. أوكويان بالتركية، والتفسير الميسّر بالعربية). تُعرض مع التمييز بين النص والتأويل؛ وليست فتوى فقهية.

الآيات ذات الصلة