الدعوى: "يصف القرآن نفسه مرارًا بأنّه عربيٌّ مبين — و12:2 و26:195 و16:103 و41:44 أشهر مواضع ذلك. بل يذهب 41:44 إلى أبعد من هذا، فيذكر أنّ كتابًا أعجميًّا كان سيكون مثارَ اعتراضٍ عند العرب. ومع ذلك ففي مفردات النصّ ألفاظ يُقال إنّها ليست عربية الأصل: (إستبرق) في 18:31 و44:53 و55:54 و76:21، و(سندس) في 18:31 و44:53 و76:21، و(فردوس) في 18:107 و23:11، و(زنجبيل) في 76:17، و(سلسبيل) في 76:18، و(سجّيل) في 11:82 و15:74 و105:4، و(قسطاس) في 17:35 و26:182... وتُنسب هذه الألفاظ إلى الفارسية أو الآرامية أو الحبشية أو اليونانية. فإن كان الكتاب عربيًّا مبينًا حقًّا، فلماذا فيه ألفاظ من لغات أخرى؟ فإمّا أنّ الدعوى مبالَغٌ فيها، وإمّا أنّ كلمة 'عربي' فقدت معناها هنا."
ماذا يقول القرآن؟
نقرأ أوّلًا الآيات التي تقوم عليها الدعوى، ثمّ الألفاظ التي تُتَّخذ دليلًا عليها.
كم موضعًا يصف القرآن فيه نفسه بأنّه عربي؟ في بيانات الكلمات والجذور في هذه المنصّة يرد جذر (ع ر ب) في القرآن كلّه 22 مرّة. عشرٌ منها وصفٌ للوحي نفسه: 12:2 و13:37 و16:103 و20:113 و26:195 و39:28 و41:3 و42:7 و43:3 و46:12. وعشرٌ أخرى بلفظ (الأعراب): 9:90 و9:97 و9:98 و9:99 و9:101 و9:120 و33:20 و48:11 و48:16 و49:14. وواحدة في 41:44 بلفظ (وعربي) وصفًا للمخاطَب، وواحدة في 56:37 بلفظ (عُرُبًا). أمّا الجذر المقابل (ع ج م) فلا يرد في القرآن كلّه إلّا 4 مرّات: في 16:103 و26:198 و41:44 (مرّتين).
وفي أوّل هذه المواضع يقع التشديد لا على أنساب الألفاظ بل على فهم المخاطَب:
إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
"إنا أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب، لعلكم -أيها العرب- تعقلون معانيه وتفهمونها، وتعملون بهديه." (12:2)
والوصف نفسه مقيَّدًا بالبيان:
بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ
"نزل به جبريل عليك بلغة عربية واضحة المعنى، ظاهرة الدلالة، فيما يحتاجون إليه في إصلاح شؤون دينهم ودنياهم." (26:195)
و16:103 واقعةٌ داخل تهمة. فالآية تردّ على قولهم "إنّما يعلّمه بشر"، والموضوع ليس اشتقاق المفردات بل لسان الرجل المتَّهَم:
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ
"ولقد نعلم أن المشركين يقولون: إن النبي يتلقى القرآن مِن بشر مِن بني آدم. كذبوا؛ فإن ..." (16:103)
ويأتي الجواب في النصف الثاني من الآية نفسها:
لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ
و41:44 جملة افتراض. تسأل: ماذا لو كان بلسانٍ أعجمي؟ ثمّ تنقل ردّ الفعل المتوقَّع:
وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ
"ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزلناه عليك -أيها الرسول- أعجميًا، لقال المشركون: هلا بُيِّنتْ آياته، فنفقهه ونعلمه، أأعجمي هذا القرآن، ولسان الذي أنزل عليه عربي؟ هذا لا يكون." (41:44)
ثمّ ينقل تمام الآية المحورَ صراحةً إلى الفهم: في آذان الذين لا يؤمنون وقر، والكتاب عليهم عمى. فالنزاع ليس في نقاء اللسان، بل في الانغلاق والانفتاح.
ويقيم 26:198 الافتراضَ نفسه من الجهة المقابلة:
وَلَوْ نَزَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ بَعْضِ ٱلْأَعْجَمِينَ
"ولو نَزَّلنا القرآن على بعض الذين لا يتكلمون بالعربية، فقرأه على كفار قريش قراءة عربية صحيحة، لكفروا به أيضًا، وانتحلوا ..." (26:198)
وليست هذه قاعدةً خاصّةً بكتابٍ واحد؛ فـ14:4 يقرّر المبدأ العامّ:
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
"وما أرسلنا مِن رسولٍ قبلك -أيها النبي- إلا بلُغة قومه؛ ليوضِّح لهم شريعة الله، فيضل الله من يشاء ..." (14:4)
وأمّا الألفاظ التي تُتَّخذ دليلًا فهي موجودة في النصّ حقًّا، ولا أحد يخفيها. في وصف الجنّة يرد اسما نسيجين:
وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
"ويَلْبَسون ثيابًا ذات لون أخضر نسجت من رقيق الحرير وغليظه، يتكئون فيها على الأسِرَّة ..." (18:31)
ومزاج شراب:
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا
"ويُسْقَى هؤلاء الأبرار في الجنة كأسًا مملوءة خمرًا مزجت بالزنجبيل، يشربون مِن عينٍ في ..." (76:17)
واسم بستان:
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ
"الذين يرثون أعلى منازل الجنة وأوسطها، هم فيها خالدون، لا ينقطع نعيمهم ولا يزول." (23:11)
ونوع حجارة:
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ
"فلما جاء أمرنا بنزول العذاب بهم جعلنا عالي قريتهم التي كانوا يعيشون فيها سافلها فقلبناها، وأمطرنا عليهم حجارة ..." (11:82)
ومجموع ورود هذه الألفاظ السبعة (إستبرق، سندس، فردوس، زنجبيل، سلسبيل، سجّيل، قسطاس) في جدول الكلمات في هذه المنصّة 16 موضعًا، بينما مجموع وحدات الكلمات في الجدول 77.429.
ماذا نتعلّم؟
(تفسير) ليس في شيء من الآيات: "ليس في هذا الكتاب لفظةٌ واحدة من أصلٍ أعجمي". المذكور شيء آخر: أنّ الكتاب نزل بلسان مَن خوطب به. وفي كلّ موضعٍ يرد فيه الوصف يُلحَق به تعليل: "لعلّكم تعقلون" في 12:2 و43:3، و"لقومٍ يعلمون" في 41:3، و"لتنذر" في 42:7 و46:12. فـ(عربي) هنا ليس إعلانَ نسبٍ بل إعلانَ تواصل: هذا نصٌّ يخاطب أوّل سامعيه بلغةٍ لها في أذهانهم مقابل.
(تفسير) ومنطق 41:44 يؤكّد ذلك. فالآية لا تدافع عن نقاء اللسان، بل تنزع عذر "لا نفهم". وافتراضها أنّ كتابًا أعجميًّا كان سيستدعي قولهم: "لولا فُصِّلت آياته؟" فالمعيار الذي تُعمِله الآية هو قابلية الفهم. ويجرّب 26:198 المعيارَ نفسه معكوسًا: لو نُزِّل على غير عربيٍّ لما آمنوا أيضًا — فالعائق إذن موقفٌ لا لسان.
(تفسير) و16:103 نزاعٌ في المصدر لا في الاشتقاق. التهمة "إنّما يعلّمه بشر"، والجواب يقابل بين كلام المتَّهَم بتعليمه وبين النصّ الماثل أمامهم. وفي هذا السياق لا يمكن أن تعني (أعجمي) "خاليًا من لفظٍ فارسيّ الأصل"؛ بل تشير إلى صفة نطق ذلك الرجل.
(تفسير) وأمّا الاقتراض اللغوي فليست لغةٌ حيّة إناءً مغلقًا. إذا دخلت الكلمةُ لغةً خضعت لأصواتها وأوزانها وإعرابها، وصارت من مالها. وأثر ذلك ظاهر في النصّ: (إستبرق) يأتي منوَّنًا بعد حرف جرٍّ عربي إِسْتَبْرَقٍ، و(زنجبيل) ينتصب بالتنوين زَنجَبِيلًا. فهذه الألفاظ تحيا داخل النحو العربي، ولا تقف فيه كأجسامٍ غريبة مركَّبة عليه. ومَن قال بالعربية "الفلسفة" و"القانون" و"الديوان" لم يخرج بذلك عن العربية؛ والمعيار نفسه يمكن أن يُطبَّق هنا.
(تفسير) وللكمّ دلالة أيضًا، لكن لا ينبغي أن يُتَّخذ وحده برهانًا. فالأمثلة السبعة المتقدّمة ترد 16 مرّة في نصٍّ يبلغ 77.429 وحدة كلمة، وهذه نسبة ضئيلة جدًّا. غير أنّ الأمانة تقتضي الشطر الآخر: قائمة ما يُعَدّ أعجميّ الأصل تختلف من باحثٍ إلى آخر، وليست محصورةً في سبعة ألفاظ. فحجّة النسبة تُبيّن حجم الاعتراض، ولا تُبطله وحدها.
قراءات مختلفة
(تفسير) قراءة لغوية قائمة على الجذر. في سجلّ معجم الجذور في هذه المنصّة، أصل معنى (ع ج م) ليس "الأمم الأجنبية" بل ضدّ الإبانة: الإبهام وعدم الوضوح. ويذكر السجلّ نفسه أنّ مَن في لسانه عُجمة يُقال له (أعجم) عربيًّا كان أو غير عربي، وأنّ نقيض ذلك (أعرَب) أي أفصح وأبان. وعلى هذه القراءة يكون التقابل في 16:103 و41:44 ليس بين "لسان عربي" و"لسان فارسي"، بل بين "كلامٍ بيّن" و"كلامٍ منغلق". وتؤيّده تتمّة 41:44: وقرٌ في الآذان، وعمًى عليهم.
(تفسير) قراءة تقليدية — الفرع الأوّل. يرى فريق أن لا ألفاظ أعجمية في القرآن أصلًا: فهذه الكلمات كانت قد عُرِّبت قبل النزول، فهي عربية حين نزلت. وعلى هذه القراءة يفترق الأصل عن الاستعمال، ووصف (عربي) إنّما يصف الاستعمال.
(تفسير) قراءة تقليدية — الفرع الثاني. ويرى فريق آخر وجود ألفاظٍ أعجمية الأصل ولا يجد في ذلك إشكالًا؛ لأنّ وصف (عربي) يصف الجملة والأسلوب والنظم، لا شجرةَ نسبِ كلّ لفظة. وقد وقف الفرعان جنبًا إلى جنب قرونًا، والترجيح بينهما ينشأ من تصوّر اللغة لا من نصّ الآيات.
(تفسير) قراءة تاريخية لغوية. كانت عربية الحجاز في القرن السابع منسوجةً بالفعل بمقترضاتٍ آرامية وسريانية وفارسية وحبشية ويونانية، حملتها التجارة والهجرة والدين. وعلى هذه القراءة لا تكون المقترضات عيبًا، بل علامةً على أنّ النصّ يلامس زمانه ومكانه فعلًا: ليس معجمًا مغلقًا هبط من السماء، بل خطابًا يتكلّم من داخل لغةٍ حيّة.
(تفسير) قراءة تُبقي الاعتراض في أقوى صوره. ينبغي التسليم بهذا: مَن فهم من (عربيٍّ مبين) أنّها "عربية خالصة معجميًّا"، فإنّ المقترضات تضرّ بفهمه حقًّا. وقوّة القراءة المقابلة في أنّها تُبيّن أنّ دعوى النقاء هذه ليست في الآيات. فالجدل يجري على توقّعٍ حُمِّل على النصّ، لا على شيءٍ قاله النصّ.
الحدّ الأمين
المقطوع به في النصّ. يصف القرآن نفسه بـ(عربي) في عشرة مواضع، ويرد جذر (ع ج م) أربع مرّات. و41:44 يقيم افتراضًا، لا يعلن سياسةً لغوية. و14:4 يقرّر مبدأً عامًّا أنّ الرسول يأتي بلسان قومه. و(إستبرق) و(سندس) و(فردوس) و(زنجبيل) و(سلسبيل) و(سجّيل) و(قسطاس) واردة في النصّ، ومجموع ورودها 16 موضعًا. وليس في آيةٍ واحدة: "ليس في هذا الكتاب لفظٌ أعجميّ الأصل".
المتروك للاجتهاد. كون لفظةٍ ما "في الأصل" فارسيةً أو آراميةً أو حبشية هو إعادة بناءٍ في اللسانيات التاريخية؛ والقرآن لا يصرّح بأصل أيّ لفظة. ولهذا تطول قوائم الأصول أو تقصر بحسب المصدر. وكذلك إسناد الجذر في قاعدة بيانات صرفية قرارٌ تحريري لا جزءٌ من الوحي: ففي بيانات هذه المنصّة لم يُسنَد جذرٌ ثلاثيّ إلى (إستبرق) و(سندس) و(زنجبيل) و(سلسبيل) و(فردوس)، بينما أُسنِد (سجّيل) إلى (س ج ل) و(قسطاس) إلى (ق س ط س). على أنّ خلوّ المدخل من جذرٍ ليس وحده دليلَ عجمة: ففي الجدول نفسه 27.161 وحدة كلمة من أصل 77.429 — أكثرها حروفٌ وأدواتٌ ولواحق — مسجَّلة بلا جذر.
ما لا تدّعيه هذه المقالة. لم يُفصَل هنا في أصل أيّ لفظةٍ ولا أُقِرَّت قائمة اشتقاقات. المقصود شيء واحد: التمييز بين ما تقوله الآيات وما لا تقوله.
الخلاصة: كلّما وصف القرآن نفسه بـ(عربي) جاء الوصف مقرونًا بتعليلٍ غايته أن يُفهَم؛ ولم يتضمّن دعوى في أصول مفرداته. و16:103 جوابٌ على تهمة "إنّما يعلّمه بشر"، و41:44 جوابٌ على عذر "لا نفهم"؛ ومحورهما جميعًا البيان في مقابل الانغلاق. وأمّا المقترضات فهي حال كلّ لغةٍ حيّة، وهي في هذا النصّ داخلةٌ في الإعراب العربي جاريةٌ على أوزانه. ولا يبقى الاعتراض قائمًا إلّا إذا حُمِّل (عربيٌّ مبين) معنى "نقاءٍ معجميّ" لا تقرّره الآيات.
مقالات ذات صلة
- لماذا القرآن بالعربية؟ عالميّةٌ أم مركزيّةٌ عربية؟
- هل القرآن منقولٌ عن سابقيه؟ (مشابهة التوراة والإنجيل)
- هل حُفظ القرآن؟ وهل اختلاف القراءات تناقض؟
- هل يتناقض القرآن؟ (الخلق: ستة أيام أم ثمانية؟)
المصدر: آيات القرآن الكريم (التفسير الميسّر في العربية، وترجمة محمد أوكويان في التركية). يُعرَض مع التمييز بين النصّ والتفسير، وليس فتوى فقهية.