← الأدلة

الحجّ: كيف ولماذا؟ إرث إبراهيم والمناسك والمسؤولية

كثيرًا ما نتحدّث عن الحجّ بلغة "كم شوطًا للطواف، وكم مرّة للسعي". لكنّ القرآن ينظر إليه من زاوية أخرى: يصوّره دعوةً وشهادةً ومشاركة. في هذه المقالة نودّ أن ننظر بهدوءٍ واحترام إلى "لماذا" أكثر من "كيف" — إلى الإطار الذي يرسمه القرآن نفسه.

ماذا يقول القرآن؟

ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلًا. (3:97)

وأتمّوا الحجّ والعمرة لله؛ فإن أُحصرتم فما استيسر من الهَدْي... (2:196)

الحجّ أشهرٌ معلومات؛ فمن فرض فيهنّ الحجّ فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ ولا جِدالَ في الحجّ... وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى. (2:197)

وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت (وقلنا): لا تُشرك بي شيئًا، وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والرُّكّع السجود. (22:26)

وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالًا وعلى كلّ ضامرٍ يأتين من كلّ فجٍّ عميق. (22:27)

ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام؛ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. (22:28)

ثمّ ليقضوا تَفَثَهم وليوفوا نذورهم وليطّوّفوا بالبيت العتيق. (22:29)

وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنًا... وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والرُّكّع السجود. (2:125)

وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل (يقولان): ربّنا تقبّل منّا؛ إنّك أنت السميع العليم. (2:127)

كلمات مفتاحية

  • الحجّ (جذر ح-ج-ج): من معنى "القصد إلى غايةٍ معيّنة والتوجّه"؛ فالحجّ توجّهٌ واعٍ إلى البيت.
  • الاستطاعة / السبيل (3:97): "القدرة" و"إيجاد الطريق"؛ تربط الآية الفريضة بهذا الشرط مباشرة.
  • الهَدْي (2:196): ما يُساق إلى البيت/الحرم من الذبائح؛ يُذكر تيسيرًا عند الإحصار (المنع).
  • الرَّفَث / الفُسوق / الجِدال (2:197): في التفسير السنّي: القول والفعل الجنسي، والانزلاق إلى المعصية، والمخاصمة على الترتيب (المصدر: نقول التفسير الكلاسيكي).

ماذا نتعلّم؟ (تأويل)

حين تُقرأ الآيات معًا، تظهر علّة الحجّ عبر المعنى لا مجرّد القاعدة (تأويل):

  • دعوة وإرث توحيدي: يبدأ القرآن الحجّ بإبراهيم؛ يُرى له المكان (22:26)، ويرفع القواعد هو وإسماعيل (2:127)، ويُطهَّر البيت للطائفين (2:125). و"أذّن في الناس بالحجّ" (22:27) يربط الحجّ بملّة إبراهيم التوحيدية (تأويل).
  • الشهادة والمنفعة: يقول 22:28 "ليشهدوا منافع لهم"، وقد قُرئت حتى في النقل المبكر على طبقات: عند المفسّرين الأوائل (ولا سيّما ابن عباس) تجارةٌ دنيوية وأجرٌ أخروي، وفي بعض النقول تُربَط بالدعاء والعبادة (المصدر: أوكويان/النقول الكلاسيكية).
  • وجوب المشاركة: تقول الآية نفسها عن الذبيحة "فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير" (22:28)؛ فالعبادة تتضمّن التكافل وإطعام المحتاج (تأويل).
  • انضباط أخلاقي: نهي 2:197 عن الرَّفَث والفُسوق والجِدال، كالصيام، يقيّد مؤقّتًا ما هو حلال في الأصل فيُنتج تربيةً للنفس؛ و"خير الزاد التقوى" يضع الاستعداد الروحي إلى جانب المادّي (تأويل).
  • لا تكليف فوق الطاقة: يربط 3:97 الحجّ بمن "استطاع إليه سبيلًا" فقط؛ وهذا يبيّن أنّ تحميله لمن لا يملك الوسيلة مخالفٌ للنصّ (تأويل). وقد نظّم الفقه الكلاسيكي ذلك بشرط الاستطاعة (نفقة الطريق، ونفقة الأهل، وأمن الطريق) (المصدر: الجمهور/الفقه الكلاسيكي).

حدّ أمين

هنا ينبغي رسم الخطّ بين النصّ والتراث بوضوح. يرسم القرآن الخطوط العريضة للحجّ: الإتمام (2:196)، والأشهر (2:197)، وآداب الإحرام، والذبح والمشاركة (22:28)، والتوجّه إلى البيت والطواف به (2:125؛ 22:29). لكنّه لا يفصّل الجزئيات التقنية واحدةً واحدة — كعدد أشواط السعي بين الصفا والمروة، وصفة الوقوف بعرفة، ورمي الجمار، وعدد أشواط الطواف.

ومن هنا قراءتان. يرى بعض القرآنيين/أصحاب "القرآن يكفي" أنّ معظم التطبيق يقوم على مصادر خارج النصّ، فتبقى الجزئيات على الأقلّ مفتوحةً لاجتهادٍ متعدّد (تأويل). ووجه الحقّ في هذا الاعتراض أنّه من الخطأ نصيًّا القول إنّ "كلّ جزئية من المناسك آيةٌ قرآنية مباشرة". لكن يجب ضبط الحدّ بإنصاف أيضًا: فعند كثير من الجمهور هذا الفراغ ليس "إطلاقًا" بل مجالٌ "تُرك عمدًا وأُكمل" بالعمل المتواتر منذ إبراهيم (تأويل). فالإطار في النصّ واضح، ومصدر الجزئيات محلّ نزاع؛ ولكلٍّ من الطرفين حجّةٌ تستحقّ أن تُذكر باسمها.

مقالات ذات صلة

المصدر: آيات قرآنية (ترجمة م. أوكويان). يُعرض باعتدالٍ واحترام، مع التمييز بين النص والتأويل.

الآيات ذات الصلة